لم يولد الأسود أسودَ في أعين أمه.
خرج إلى الضوء كما يخرج كل طفل:
بكفّين صغيرتين،
وبقلب لا يعرف معنى السوط،
ولا معنى تجارة البشر،
ولا معنى أن يتحول الجسد إلى ثمن.
لكن العالم القديم
كان ماهرًا في اختراع الأقفاص.
كلما رأى إنسانًا مختلفًا عنه قليلًا،
أخذ يقيسه كما تُقاس الدواب،
ويزن روحه كما توزن الحجارة،
ثم يعلن، في نشوة العارف،
أن بعض البشر خُلقوا للسماء،
وأن بعضهم خُلقوا ليحملوا السماء فوق ظهورهم.
كم من حكيم
جلس فوق كرسي الحكمة
ثم عجز عن رؤية الإنسان.
كم من فيلسوف
أطال التأمل في النجوم،
ورسم المدن الفاضلة،
وبحث في جوهر العدالة،
ثم مرّ بجانب عبدٍ مقيد
كأن السلسلة جزء من جسده،
وكأن الألم طبيعة أخرى للون البشرة.
كانت الكلمات تحمل أسماء كبيرة،
لكن الحديد كان يلمع تحتها.
وكان العبيد
يمرون في ظل الحضارات العظيمة،
يبنون المعابد،
ويرفعون الأعمدة،
ويشقون الطرق،
ويحملون الحجارة التي خلدت أسماء الملوك،
بينما تُدفن أسماؤهم هم
في التراب.
لم يكن السوط دائمًا من جلد.
أحيانًا
كان يُصنع من فكرة.
فكرة تقول إن إنسانًا أقل من إنسان.
فكرة تقول إن العقل يسكن هنا
ولا يسكن هناك.
فكرة تقول إن اللون قدر،
وأن البشرة حكم،
وأن التاريخ يملك حق توزيع الكرامة.
وما أكثر الذين صدقوا ذلك.
صدقته قصائد.
وصدقته منابر.
وصدقته مدارس.
وصدقته كتب
امتلأت بالكلمات الكبيرة
وفرغت من الرحمة.
حتى صار الطفل الأسود
يرث نظرات لم يصنعها،
وأحكامًا لم ينطق بها،
وأبوابًا مغلقة
سبقته إليها قرون كاملة.
لكن التاريخ،
على قسوته،
لم ينتصر.
لأن الذين قيل إنهم أقل من البشر
أثبتوا أنهم أكثر صبرًا من الكراهية.
ولأن الذين بيعوا في الأسواق
تركوا في الأرض موسيقى
أطول عمرًا من السلاسل.
ولأن الذين طاردتهم العنصرية
ظلوا ينهضون
كلما سقط جدار،
وكلما ارتفع جدار آخر.
كان البياض والأسود
يلتقيان في الدم نفسه،
لكن العيون المتعصبة
كانت ترى الجلد
ولا ترى الجرح.
وكانت البشرية،
كلما ادعت أنها بلغت الحكمة،
تكتشف أنها ما تزال تتعثر
في أبسط درس:
أن الإنسان
لا يصبح أقل إنسانية
لأن الشمس مرّت على جلده
وقتًا أطول.
وأن اللون
ليس إلا طريقة الضوء
في ملامسة الجسد.
أما الروح،
فلا لون لها.
ولا سلالة لها.
ولا سلاسل تستطيع أن تقيدها.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية