الأديب الشهيد أحمد رضا حوحو وجهوده في ميدان الترجمة

 الدكتور محمد سيف الإسلام بوفـلاقــــة( الجزائر )

 

       يرى العلاّمة الشيخ (محمد الصالح الصديق) أن شخصية الأديب (أحمد رضا حوحو )ترتكز على ثلاث دعامات أساسية، هي: الفكر القوي الخلاق القادر على صياغة الفكرة، والتدبر والإحكام، و الذوق الرفيع المتميّز، وحس النكتة و السخرية الهادفة، كما يتميّز برؤيته الثقافية الفاحصة للأمور.

     وفي كتاب:«جهود أحمد رضا حوحو في ميدان الترجمة»  يُركز الباحث الدكتور رابح طبجون على إبراز وإيضاح خدماته الكبيرة التي قدمها في عالم الترجمة؛ فقد أدرك الأديب الشهيد أحمد رضا حوحو- بفكره الحصيف- الأهمية البالغة التي تحتلها الترجمة، وقد عرف خطورتها-كما يذكر المؤلف- باعتبارها أداة في يد المستعمر يبسط بها سيطرته على ضحيته ويقمعه بها؛ ولذلك فقد عزم على مواجهة هذه النزعة الاستعمارية بخوض غمار الترجمة، وذلك لتحرير العقول والأجساد وتأجيج ملكات الإدراك، وروح الممانعة لتأكيد الوجود والكينونة، وقد نجح في ذلك وأبدع.

   يذكر الدكتور رابح طبجون في مقدمة الكتاب أن الأديب الشهيد أحمد رضا حوحو( 1910-1956م) قد استفاد من تكوينه باللغة الفرنسية ومرجعياته القرائية منها لمساءلة النصوص الأصلية دون وسيط؛ ولذلك فقد قام في إطار تعامله مع مجلة: «المنهل» السعودية، وفي مرحلة أخرى جريدة «البصائر» الجزائرية بترجمة بعض الأعمال ذات القيمة الأدبية والفكرية المتميّزة، والتي كشفت النقاب عن حيازته لرصيد معرفي كبير، وموهبة جموح للغوص بعيداً في ثنايا الكتابة وتخومها بنظرة عميقة للقضايا الثقافية، وما تنوء به من أسئلة شائكة وصعبة، وقد كرس حوحو مجهوداته للنهوض بترجمة نصوص أدبية وقصص ومسرحيات من روائع الأدب الفرنسي، والآداب العالمية المترجمة إلى الفرنسية من لغات أوروبية مختلفة؛ فحظيت مقالاته بحفاوة بالغة، وذاع صيته ولاسيما عندما عرض بعض الأعمال عن الاستشراق الأوروبي، كما قام بالترجمة والاقتباس من أشهر المسرحيات الفرنسية لموليير، وفيكتور هيجو، ومارسيل بانيول؛ وذلك ضمن نشاطات جمعية المزهر القسنطيني للمسرح الموسيقي، وقام بترجمة عدد معتبر من النصوص الشعرية لشعراء فرنسيين كبار، أمثال: الشاعر ديديل، وشارل بودلير، وغيرهم.

    ويرى مؤلف الكتاب أن أحمد رضا حوحو وظف فعل الترجمة ضمن تجربته الخاصة، وفي ظل ملابسات إنتاجها وحيثياتها ومسالكها؛ لتقديم إضافة نوعية في تشكيلة من السياقات أبدعت وفرضت وجودها وتميزها بروح نضالية مسكونة بالمكابرة الأبدية، والثقة المطلقة في تجاوز المحن والصعوبات والأضداد في إطار مشروع أصيل لبناء الثقافة الوطنية الجديدة؛ مُحارباً في ذلك الممارسات التقليدية المُتحجرة والقيم المرتبطة بها، ومُعكراً صفوها في مواجهة جسورة معلنة حيناً، ومكبوتة أو مؤجلة أحياناً أخرى، كما يؤكد الدكتور رابح طبجون على أنه قد خاض سجالات فكرية طاحنة من شأنها خلخلة المبتذل، وزواياه المعتمة أمام صيرورة مفضية لتشييد المغايرة للنمط المألوف وأطره الجاهزة، وفي ظل تحدياته للرهانات الصعبة، ولعوامل الإحباط المتعددة، وهي في أساسها تتموضع في سياقات أساسية:

  أولها: تقويض جبهة الخرافات وقوى الخنوع التي ضللت البسطاء من الناس، وكبلت تفكيرهم وافقدتهم روح المبادرة، وقدمت صورة مشوهة عن الإسلام ومبادئه السمحة.

  ثانيها: تأجيج وهج النضال لاستعادة السيادة الوطنية، والانعتاق من الأغلال التي نسجتها إرادة الاستعمار، وقبضته المهيمنة.

 ثالثها: الانفتاح على ثقافات العالم والاعتزاز بالذات في مواجهة الآخر، والقدرة على التفاعل معه.

       تحدث مؤلف الكتاب عن أجواء أحمد رضا حوحو الفرنسية، وأكد على أنه قد نشأ في أجواء الفكر والأدب الفرنسي معتزاً بقراءاته، وهو يقول: «إن المرء ليزدهي بآدميته حين يُلقي بنفسه في غمار الآداب الأوروبية»؛ ولذلك وصفه الأديب حمزة بوكوشة في جريدة البصائر بأنه« الكاتب المبدع الجزائري الذي أكسبته الثقافة الغربية بسطة ثقافته العربية، وزادته إقامته بالحجاز وجولته في ربوع الشرق العربي سعة في المدارك والتفكير».

        وعن حظوظ الترجمة عند أحمد رضا حوحو، يذهب الدكتور رابح طبجون إلى أن أحمد رضا حوحو لم يكن مترجماً عادياً كبقية المترجمين من نخبة المجتمع الجزائري، التي لا هامش لها غير ما هو رسمي، وهي تتطلع إلى الانتظام في الوظيفة العمومية بعد التخرج، أو الذين يشتغلون في الإدارة الفرنسية، أو مجال القضاء إرضاء لطموحاتهم الإدارية، وإنما كان يختار ما يقوم بترجمته بقراءة ناقدة ومتأملة؛ واضعاً نُصب عينيه المصالح المستهدفة على مستوى صناعة الوعي الوطني؛ باعتبار أن الترجمة إقحام الآخر في الذات، مراعياً في ذلك الوظيفة التواصلية للترجمة وبٌعدها التداولي، باعتبارها وسيلة تواصل لا غنى عنها.

           والجدير بالذكر أن الأديب الشهيد أحمد رضا حوحو، ولد  في شهر ديسمبر (1910م)، وتذكر بعض المصادر  بأن تسجيله في الوثائق الرسمية كان بعد حلول السنة الجديدة، ولذلك نجد من يذكر بأنه قد ولد عام: (1911م)؛ وكانت ولادته بمنطقة(سيدي عقبة)؛ وهي قرية من قرى (الزاب الشرقي)، ولها تاريخ عريق كونها تحتوي على مثوى جثمان القائد (عقبة بن نافع الفهري)، وقد تربّى(أحمد رضا حوحو) في هذه القرية؛ وأدخل الكتاب، وحفظ ما تيسر من القرآن الكريم، كما درس مبادئ اللغة العربية، وتعلم في المدرسة الابتدائية الفرنسية، وفي عام: (1353هـ/1934م) سافر إلى (المدينة المنورة) مع عائلته؛حيث درس في المدينة بالمعهد الحر، وتعلم  العلوم الشرعية، وأصبح بعد فترة مدرساً بالحجاز ،و ترجم الكثير من القصص عن اللغة الفرنسية، وكتب العديد من المقالات بمجلة: « الرابطة العربية المصرية»؛ فقد بدأ نشاطه الفكري والأدبي عام: (1356هـ/1937م)،    وفي سنة: (1365هـ/1946م) عاد إلى وطنه الجزائر ؛وانضم إلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وتقلد عدة مناصب؛ حيث عمل مدرساً ومديراً لمدرسة، ومفتشاً للتعليم، كما أنشأ جمعية( المزهر القسنطيني للمسرح والموسيقى)، وشغل منصب أمين عام معهد العلاّمة (ابن باديس) بقسنطينة، وفي عام: (1369هـ/1950م) سافر إلى(يوغسلافيا)،و(الاتحاد السوفيتي)، و( تشيكوسلوفاكيا)،كما زار مجموعة من الدول الأوروبية، من بينها:(فرنسا)،وكتب مجموعة من المقالات عن رحلاته، نشرها في جريدة(الشعلة)؛ التي كان يتولى إدارة تحريرها، كما كتب عدة مقالات متنوعة في جريدة(البصائر)، وقد استشهد سنة: (1375هـ/1956م)، بعد تعذيبه من قبل سلطات الاستدمار الفرنسي، ويذكر في هذا الصدد  الأستاذ (عبد القادر نور)   أن جهوده في ميدان الإدارة، ودعم الثورة التحريرية من خلال تأسيسه لخلية دار الطلبة ؛التي أضحت مصنعاً لتزويد الثورة بالرجال المجاهدين والمعلومات، هي التي أدت إلى تعذيبه، وقتله من قبل الاستعمار الفرنسي.

        ومن أهم أعماله الأدبية رواية«غادة أم القرى» ؛وقد طبعت سنة: (1366هـ/1947م) بالجزائر، كما طُبعت ضمن منشورات المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر سنة: (1403هـ/1983م)،وقد جاء في الإهداء الذي دبجه الأديب الشهيد(أحمد رضا حوحو): «إلى تلك التي تعيش محرومة من نعمة الحب…من نعمة العلم…من نعمة الحرية.إلى تلك المخلوقة البائسة المهملة في هذا الوجود إلى المرأة الجزائرية أقدم هذه القصة تعزية وسلوى». وقد تولى تقديمها إلى القراء الأديب والباحث(أحمد منور) ؛ومن بين ما جاء في تقديمه: «تعد(غادة أم القرى)من بواكير أعمال أحمد رضا حوحو القصصية، ومن أهمها في نفس الوقت، فقد كتبها أثناء إقامته في الحجاز ما بين سنتي: (1935 و1945)،وكان إنتاج حوحو في هذه الفترة غزيراً ومتنوعاً، يشمل القصة والمقالة والمسرحية…إن مأساة(زكية)أو(غادة أم القرى)تعد بحق صرخة شجاعة، أتت في أوانها، من كاتب يحمل ضميراً حياً وفؤاداً طرياً، في وجه مجتمع متحجر الأفكار والعواطف، يعتبر الحب جريمة، وهي إدانة صريحة وقوية لتقاليد جامدة، كانت تستعبد المرأة وتحرمها من أبسط حقوقها، حتى من مجرد التصرف في قلبها، واختيار شريكها في الحياة ».

         ومن أهم أعمال(أحمد رضا حوحو) مقالات قصصية ساخرة ؛كتبها بعنوان: «مع حمار الحكيم»، وقد نشرت أول مرة بقسنطينة ،سنة: (1372هـ/1953م)، وطُبعت من قبل الشركة الوطنية للنشر والتوزيع بالجزائر، سنة: (1402هـ/1982م)، وقد جاء في الإهداء: «إلى الذين أعجبوا بحمار الحكيم وشجعوه على المضي في تأدية رسالته، أقدم هذه النبذة من إنتاجه». كما وجه كلمة إلى القراء ؛جاء فيها: «أقدم إليك أيها القارئ الكريم هذه الصفحات الصريحة على حد تعبيري الخاطئ، أو المصرح بها على تعبير النحاة الصائب، فإن أثارت إعجابك فذلك ما كنت أبغي، وإن أثارت سخطك فذلك ما كنت أنتظر، وإن لم تفعل هذا ولا ذاك، فوا حسرتاه على هذه الجهود الضائعة ولا حول  ولا قوة إلا بالله». وقد كتب المقدمة الأستاذ(عبد الرحمن شيبان) ؛ومن بين ما جاء فيها: «عرفت الأستاذ حوحو منذ سنة:1948م،فتم الاتصال بيننا كأننا نشأنا في أسرة واحدة، أو تخرجنا من معهد واحد، وكنا بحكم هذه العشرة الصافية أسسنا بمعية زميلين آخرين، جمعية حرة متمردة على الأوضاع دعوناها(إخوان الصفا)، واستمرت هذه الجمعية تواصل أعمالها واجتماعاتها بدار أخينا حوحو، بروح إنشائية وثابة كان من آثارها هذا الكتاب الذي يُقدم نفسه بنفسه للقراء؛ ففي ليلة من تلك الليالي الزاخرة، قدمت للأخ حوحو(حماري قال لي)،للأستاذ توفيق الحكيم(وكانت الحرب قد حرمتنا زمناً طويلاً من بريد الشرق)فالتهمه في سهرة واحدة، وأعاده إلي في الغد، وهو معجب بموضوعه، مأخوذ بأسلوبه، فقلت-وكنا قد انقطعنا عن النشاط الكتابي في البصائر-لا تدع هذه الجذوة التي أوقدها الأديب الحكيم في نفسك، تخمد دون أن تقوم بعمل ما، فقال: ماذا تريدني أن أعمل؟ قلت: تجند قلمك لتوجيه هذا الشعب الذي كثر مستغلوه، وقل خادموه ،على نحو ما فعل توفيق الحكيم بمصر…وذلك ما كان».  

       ومن بين أعماله المتميزة: مجموعة قصص موسومة ب:«صاحبة الوحي» طبعت عام: (1373هـ/1954م)، ومقالات وأحاديث وقصص وخواطر بعنوان: «نماذج بشرية» طبعت سنة: (1374هـ/1955م)بتونس، كما أن له مسرحيات أخرى كثيرة؛بعضها تم تمثيله في إذاعة الجزائر، وبعض المسارح الجزائرية.

        ويذكر الناقد الدكتور( أحمد منور)  أن حياة الأديب( أحمد رضا حوحو) غنية جداً نظراً لكثرة رحلاته، وتنقلاته إلى الحجاز، ومصر، والاتحاد السوفيتي، و مجموعة من البلدان الاشتراكية، وجميع هذه الرحلات جديرة بالوقوف عندها، كما أنه اتسم  بشخصية متعّددة الجوانب؛ فهو رجل عصامي، ومناضل برع  في ميدان الأدب الساخر، و عُرف بتحرره وطبيعته العملية ونشاطه.

       ويذهب الباحث الدكتور( عمار طالبي) إلى أنه يُمثل مدرسة أدبية جزائرية، وهو أول من كتب القصة في الجزائر، وقد كان أحد المترجمين البارعين، واستفاد من الأدب الغربي، وتمكن من مزجه بالأدب العربي.

       ويقول عنه الباحث( محمد الصالح رمضان): «للأستاذ حوحو براعة خاصة في الشعر الهزلي الساخر، وفي قلب الشعر الجاد الهادف إلى شعر عابث ساخر، غير أنه لم ينشر شيئاً من هذا ولا ذاك حفاظاً منه على روح التحفظ السائدة…وله محاولات متكلفة في الشعر الشعبي( الملحون)، ولعل هدف الأستاذ حوحو فيما كان يكتب ويقدم في تمثيلياته هو محاولة إصلاح بعض العادات الاجتماعية الفاسدة، وكثيراً ما كان يركز على المرأة باعتبارها الركيزة والدعامة لكل مجتمع…».

       ويصف الأستاذ( عبد الرحمن شيبان) أدبه بأنه يمتاز« بطابع الخفة والصدق والانتقاد؛ فإنك لا تكاد تقرأ له فصلاً من فصوله، أو قصة من أقاصيصه، أو تشاهد له مسرحية من مسرحياته حتى يُفاجئك بهذا الثالوث الجميل الحبيب…ولا تظن أن كاتبنا يتكلف هذه الخصائص تكلفاً، أو يسعى إليها سعياً، بل إنها لتنبعث من نفسه الخفيفة الصادقة الناقدة انبعاثاً؛ فهو خفيف في كلامه، خفيف في نكته، خفيف في حركته وسكونه. وهو يعالج من الشؤون بكل صدق، وينظر إلى كل تقع عليه عينه بروح نقدية تنفذ إلى صميم الأشياء، وبتعبير واحد جامع، فإن رضا حوحو في أدبه هو نفس رضا حوحو في حياته من غير ما تعديل أو رتوش…».

           ويُشير الأستاذ( أحمد دوغان)إلى أن(أحمد رضا حوحو ) كان من «رواد الكلمة الشجاعة في وقت تغتال فيه الحروف ؛لأنها تدعو إلى ثورة الشعب ويقظة الجماهير وقد عرف( حوحو)الجرأة والصراحة في الدعوة إلى التمسك بالشخصية الوطنية في الزمن الذي يعمل فيه الاستعمار الفرنسي على فرض اللغة الفرنسية لغة وحضارة في الساحة الجزائرية. وإذا كان( محمد حسين هيكل)قد أرسى أول قصة عربية بشكلها الفني، فإن حوحو يعتبر أول رائد في القصة الجزائرية المعاصرة، إلى جانب كونه ناقداً ومسرحياً وصحفياً…كل ذلك أدى إلى حقد الاستعمار، ليغتال( حوحو)فيصبح شهيد الكلمة الحرة المقاتلة  ».

 

    

   

 

   

 

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!