(البناء الفنّي والعروضي في ديوان.. أشتات مسافرة) للشاعر كمال اليماني

كتب: الشاعر أمين المَيْسَري

كمال اليماني المولود – تقريباً -سنة(1958م) شاعرٌ مجيدٌ في شعره. الشعر عنده ليس ترفاً كما عند كثير من شعراء اليمن. الشعر عنده رؤيا ورؤية، بل معاناة حقيقية يراها رأي العين،وهو سجلٌ للزمان والمكان،للمرئي وغير المرئي.
عرفتُ الشاعر كمال اليماني منذ وقت مبكّر، وكنتُ أقرأ له في الصحف والمجلات اليمنية، ثم رأيته وجها لوجه في الصباحيات والأمسيات الشعرية التي كانت تقام في مدينة عدن. ثم التقينا ثانية على الشبكة العنكبوتية(الفيس بوك) وكانت أقرب المسافة بيني وبينه.
ديوانه (أشتات مسافرة) الّذي أهداني إياه منذ برهة قصيرة، كان حدثاً شعريّاً كبيراً بالنسبة لي.
قلتُ في مطلع مقالتي إنه شاعر مجيد ،وهذا ما يتجلّى في هذا الديوان الذي أمامي. شاعر ملتزم بكل البناء الشعري في القصيدة العربية سواء في القصيدة البيتية،أو التفعيلية.
كمال اليماني يقدّم ديوانه للقارىء اليمني والعربي على طبق من ذهب،أعني لتجربة شعرية عميقة لها وزنها وثقلها في الأوساط الشعرية والأدبية.
فهو الشاعر الذي أثخنته الجراح والأوجاع والألآم والأحزان، وهو الرائي – كما قلت سابقاً – في كل ما رآه وما يستشرفه، وما سيحدث.
الشاعر نبيُّ هذه الأمّة،وهو يقف شامخاً في وجه كل سلطان جائر.
كمال اليماني لايكتب شعراً، بل يرسم تُحفاً أو صوراً نراها ونحزن ونتأثّر بها،أو نبكي ونشفق عليها.
أريد أن افتتح هذه المقدمة بقصيدة مؤلمة وموجعة وحزينة،وهو يبنيها بناءً محكماً، وهو البناء الفني والعروضي المحكم من حيث دلالتها الموضوعي،ودلالة عروضها الموسيقي.. إنها قصيدة(متسولة في زمن الحرب)..

مدّتْ أصابعَ ذلّها
قالت بصوتٍ واهنٍ
لله جُدْ.. ياسيدي
ورفعتُ عيني
أبصرتُ صفحةَ وجهها
كانت تشعُّ براءةً.. وطهارةً
بحيائها المتوردِ
وذكائها المتورّدِ
قالت.. عزيزٌ ذلّ في الزمن اليبابْ
أشبعتُ ألفاً من بيوتٍ زرتُها
دقاً..
ولكن .. أوصدوا في وجه ذلّي
كلّ باب
ما عدتُ أدري ما الصوابُ
وما الطريق إلى الصوابْ
أحببتُ هذي الأرضَ لكن
هم أوغروا صدري عليها
هم شوّهوا الحبَّ النبيلْ
ما عاد لي زوجٌ.. ولا ولدٌ
ولا بيتٌ
ولا حلمٌ جميلْ
الكلُ صار وقودَها
واحسرتاهُ!
فهذه الحربُ اللعينةُ سيدي
قد أفقدت قلبي الدليلْ
بالأمس كنتُ بهيّةً
كانت أحاديث النساءْ
عنّي..
حكايا من خيالْ
كنتُ الشموخَ إذا تبدّى واقفاً
كنتُ البهاءَ مرنماً
كنتُ العطاءَ منعماً
بل كنتُ آياتِ الجمالْ
واليومَ سرتُ بذلّةٍ
لا همّ لي غير السؤالْ
وأخافُ ما يأتي كريهاً في غدي
وأخافُ سوء المنقلبْ
قالت ودمعة عينيها
تروي فصولَ المشهدِ
لله جُدْ.. ياسيدي
لله جُدْ .. ياسيدي
القصيدة سوف أعلّق عليها فيما بعد.
إن البناء الفني والعروضي للقصيدة العربية يتمثّل في نظام موسيقي محكم وعلى أجنحته تقف العناصر الأخرى للإبداع الشعري ،وأقصد بذلك البناء الموضوعي والخيال والقافية والألفاظ والمعاني ….. الخ.
(عناصر القصيدة عند القدماء هي اللفظ والمعنى والوزن والقافية، وعند المعاصرين تتمثل في التجربة الشعرية والموسيقى والخيال والصورة الشعرية والوحدة والفكرة.
وقد فطن القدماء إلى الوحدة في القصيدة فرأوا أن يكون للبيت بنية،وبنيته هي اللفظ والوزن والمعنى والقافية، وأن يكون بين الأبيات تلاحم، ورأوا من جمال الشعر حسن الافتتاح ولطف الانتهاء. وكذلك تحدّثوا عن موسيقى الألفاظ والعبارة وماتستلزمه من وجود تناسب في الأنغام بين أجزاء العمل الأدبي. ويمكن القول بأن حديثهم عن اللفظ وائتلافه مع المعنى يماثل حديثنا عن الشكل والمحتوى أو المضمون، وحديثهم عن التشبيه والاستعارة والتمثيل والكناية والمجاز هو حديثنا عن الخيال وعن الصورة الشعرية، وحديثهم عن الوزن والقافية والتصريع والترصيع والتوازن والتكافؤ والجناس والطباق هو حديثنا اليوم عن الشكل والموسيقى(1)
ضم ديوان(أشتات مسافرة) خمسة وثلاثين قصيدة. وكلّها من شعر التفعيلة – ما عدا قصيدتين عموديتين – التي أحكم بناءها شكلا ومضمونا وبناء عروضيا غاية في الإبداع والجمال.
وأبدأ قراءاتي في الديوان من غلافه الذي أبهرني وأذهلني هذا التصميم الذي يوحي هو في كتابة قصيدة في حد ذاته. صورة لرجل يمشي كأنه في طريق نهر وفي ليل مظلم أو مع غروب الشمس حيث تراءت السماء باحمرارها الخافت وعلى يمينه ويساره أشتات من الحجارة. والألوان موزعة بطريق رائعة وفي غاية الإتقان.
أما اسم الديوان فمثيرٌ حقّا(أشتات مسافرة) وقد جاء اسم الديوان خارج إطار قصائد الديوان،بمعنى أن الشاعر لم يختر قصيدة من قصائده لتكون اسما للديوان. والشاعر يدرك ذلك،وهو شاعر فطن ما يقول ،حتّى لايكون هناك خصام بين عائلة قصائده،بمعنى أن كل قصائد الديوان مثل أولاده.لهذا في رأيي الشخصي لايريد الشاعر أن يفضل قصيدة من قصائد الديوان ويجعلها اسما للديوان. أتذكّر أنّ هناك ديوانا للشاعر محمود درويش اسمه (أعراس) ولم تكن هناك قصيدة في الديوان موجودة بهذا الاسم،والأعراس هو الإحتفال بالزفاف،ولكن أعراس درويش يربطه بالمقاومة وزفاف الموت.
ما أجمل الشاعر وهو يفتتح ديوانه بقصيدة عن سيّد الخلق محمد بن عبدالله(ص).
والحقيقة قلّة من الدواوين الحديثة مَنْ كتب عن سيّد الخلق. أتذكّر أحد الأصدقاء على الفيس بوك بعث إليّ برسالة يقول لي: لماذا لاتكتب قصيدة في محبّة رسول الله؟. قلتُ له أنا لا أساوي شيئا أمام رسول الله،ولا حتّى خصلة واحدة من خصلات شَعْره.
أين أنا من أحمد شوقي العظيم وهو يقول:
أبا الزهراء قد جاوزت قدري
بمدحك بيد أن ليَ انتسابا
فما عرف البلاغة ذو بيانٍ
إذا لم يتّخذك له كتابا
مدحت المالكين فزدت قدراً
وحين مدحتك اجتزت السحابا
في قصيدة كمال اليماني(أبا القاسم… الا فاشهد) فهي تفيض حباً وهدى ورحانية وخشوعاً.
أحبكَ أُشهدُ الدنيا وأُسمعها
نشيدَ الشوق في قلبي
ألا فاشهدْ
حبيبي يارسولَ الله… يا أحمدْ
إذا ما الشوقُ برّحني
وأشعلَ في حنايا القلبِ تحنانا
وقد أزهرْ
أرددها
وفي حلقي
لذيذُ الشهد والسّكرْ
أبا القاسم
ستبقى في عيون الكونِ
أكبرَ من جهالتهم
نعم أكبرْ
ويبقى في ضمير الكونِ
ذكرُك في المدى أعطرْ
نص محكم ببنائه الفني والعروضي وببساطته وسهولته،وتلك القافية في حرف الراء(أزهر،والسكر،وأكبر،وأعطر) أعطى مذاقا في بناء النص العروضي الذي جاء على تفعيلة مجزوء الوافر(مفاعلتُن مفاعلتُن). ومعروف أن هذا البحر يأتي تامّا ومجزوءاً(مفاعلتن مفاعلتن فعولن).
والشاعر يبحر بمواضيع متعدّدة في الديوان،ولعل أسماء قصائده تدلّ على ذلك. ففي قصيدته السابقة(متسوّلة في زمن الحرب)مأساة أمراة فقدت كل ماعندها زوجها وولدها وبيتها …..الخ وكل ذلك بسبب هذه الحرب اللعينة. والشاعر بارع في سرد حكايتها،ولكن بأسلوب شعري فنيا رفيع المقام ومعجم شعري متفرّد.

مدّتْ أصابعَ ذلّها
قالت بصوتٍ واهنٍ
لله جُدْ.. ياسيدي
ورفعتُ عيني
أبصرتُ صفحةَ وجهها
كانت تشعُّ براءةً.. وطهارةً
بحيائها المتوردِ
وذكائها المتورّدِ
قالت.. عزيزٌ ذلّ في الزمن اليبابْ
أشبعتُ ألفاً من بيوتٍ زرتُها
دقاً..
ولكن .. أوصدوا في وجه ذلّي
كلّ باب
ما عدتُ أدري ما الصوابُ
وما الطريق إلى الصوابْ
الشاعر ساردٌ في كثير من قصائد الديوان وهذا أعطاه لمسة إضافية جديدة دون أن يكون هناك أي تكرار.
لوقسنا هذا النص ونصوصَ أخرى في الديوان نلاحظ أن الشاعر يبني قصائده التزاميا بما يسمّى الإلتزام في الشعر العربي.
الآن أجمل قصائد الديوان عروضيا على النحو التالي:
قصيدة(أبا القاسم)تفعيلة مجزوء الوافر (مفاعلتن)
قصيدة(أتت أمي) تفعيلة مجزوء الوافر (مفاعلتن)
قصيدة(الموت يأتي بغتة) تفعيلة الكامل(متفاعلن)
قصيدة(النداء الأخير) تفعيلة الكامل(متفاعلن)
قصيدة(اليك اعتذاري) تفعيلة الكامل(متفاعلن)
قصيدة(ياصاحب الروح النقي) تفعيلة الكامل(متفاعلن)
قصيدة(بائع الأوهام) تفعيلة الكامل(متفاعلن)
قصيدة(ألم وأمل) تفعيلة الكامل(متفاعلن)
قصيدة(تحذير) تفعيلة الكامل(متفاعلن)
قصيدة (حين تزوره القصيدة) تفعيلة(الرجز) مستفعلن.
قصيدة(حب وأخوة في الله) تفعيلة(الرمل)فاعلاتن
قصيدة(حسرة)تفعيلة المتقارب(فعولن)
قصيدة(حصاد الموت) تفعيلة الرمل والكامل(فاعلاتن متفاعلن)
قصيدة(حلم بعيد) تفعيلة الرمل والكامل(فاعلاتن متفاعلن)
قصيدة(خيانة) تفعيلة الكامل(متفاعلن)
قصيدة(دعاء من القلب)مجزوء الوافر(مفاعلتن)
قصيدة(عين الله لاتغفل) قصيدة عمودية بحر مجزوء الوافر،والشاعر وزّعها بطريفة التفعيلات.
قصيدة (صديقي الفنان جدا) تفعيلة الرمل والكامل
قصيدة (صديقين كنّا) تفعيلة المتقارب
قصيدة(صرتُ جَداً) نثرية ،لكن فيها موسيقى
قصيدة(عاد والعود أحمد) تفعيلة(الكامل)
قصيدة(غربتان) تفعيلة الكامل
قصيدة(في عيدها) تفعيلة الكامل واستخدم الخبن وهو غير جائز في الكامل مثل:
لأنها ببساطةٍ بحضورها
ببساطة – متفاعلن
بحضورها- متفاعلن
لأنها – متفعلن حذف الحرف الرابع وهو الألف
وتكررت في قصيدة أخرى لا أذكرها الآن.
قصيدة (قابيل قف.. لو لحظة) تفعيلة الكامل
قصيدة (من زمن حاضر) تفعيلة الكامل
قصيدة(ليس إلا) تفعيلة الكامل
قصيدة(متسولة في زمن الحرب) تفعيلة(الكامل)
قصيدة(معذرة لفقري) تفعيلو مجزوء الوافر
قصيدة(مقهى النخيل) تفعيلة مجزوء الوافر
قصيدة(منطق عجيب)تفعيلة الكامل
قصيدة(موتي كما أشتهيه)تفعيلة الكامل
قصيدة(موطني) تفعيلة الكامل
قصيدة(نداء) تفعيلة المتقارب وفي السطر الأول جاءت مخرومة وهو جائز في بحر المتقارب والطويل وغيرهما. والخرم هو حذف أول الوتد المجموع بحيث تتحول التفعيلة من فعولن إلى عولن مثل قوله:
ناديتهم واحدا واحد
قصيدة(نذالة) تفعيلة مجزوء الوافر
قصيدة(نصيحة) وهي عمودية جاءت على بحر الكامل مع استخدام الخبن الذي ذكرته سابقا مثل قوله:
ومن له الحسنى فقط.
قد يسأل سائل لماذا أقول تفعيلة ولم أقل البحر.. هناك فرق في المصطلحين:
عندما تكون القصيدة تفعيلية نقول تفعيلة جاءت على تفعيلة مثلا الكامل.
أما البحر فلايقال إلا عندما تكون القصيدة عمودية وهو وحدة البحر.
أرجو أن أكون قد قلتُ شيئا لهذا الديوان الذي أضاف إبداعا شعريا كبيرا في مسيرة الشاعر الكبير كمال اليماني. وكمال اليماني ظُلم كثيرا في الأوساط الثقافية في اليمن.
لهذا أسير مع الحديث القائل- بما معناه –(مَنْ أصاب فله أجران ومَنْ لم يصب فله أجر واحد.
أمين المَيْسَري
19أغسطس2026م
مدينة عدن
هامش:
(1)كتاب البناء الفني للقصيدة العربية دكتور محمد عبدالمنعم خفاجي.. طبعة قديمة جدا،دون تاريخ.. الناشر مكتبة القاهرة.ص(45).

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!