الق. ق. ج.. والشعرية، بقلم. د. ميمون مسلك

لصحيفة آفاق حرة:

 

( الق ق ج ) و الشِّعريــة

بقلم. د. ميمون مسلك. مراكش. المغرب.

 

لعلّ مفهوم ” الشِّعرية” من المفاهيم الغامضة، و الملتبسة بين النّقاد. و إنّ أوّل من قال به أرسطو خلال حديثه عن المحاكاة. غير أنّه كمصطلح تطوّر على يد الشّكلانيين الرّوس، و من تلاهم كـ تودوروف، وجاكوبسن، وريفاتير، وجيرار جنيت، ورولان بارت… وأهمّ كتاب في الباب ، كتاب ” الشِّعرية” لتزفيتان تودوروف، و التي تعني عنده كلّ ما يحقّق أدبية الأدب. يقول “عن الشّعر و النّثر يملكان نصيبًا مشتركًا هو الأدبية ” (1 ) و من المفاهيم العربية للشِّعرية يرى عبد السّلام المسدي، ألاّ فارق بين الشِّعرية و الجمالية في الكلام، بمعنى انَّ الكلام أدبي إذ يقول: ” إكماليةٌ تترصّد النّصّ من مِنظار لُغوي.” ( 2)

انطلاقًا من هذا، و استئناسًا بما ورد.. تُرى ما الذي يحقّق شعرية الق ق ج؟
1ــ الشّعور بجمالية السّرد و حداثته، و الجمالية لا تتحقّق إلا بلغة فنّية، قصصية ، إيحائية ، تشيرُ و تلمّح، و لا تقرّر و تصرّح، بعيدًا عن الهَذيان و الاعتباطية (Aléatoire).
تتّسم بانْسجام داخلي: نحوي/صرفي، و هرمونية اتّساق صوتي دلالي حتّى لا تنافر، و لا اختلاف، تحقيقًا للحقيقة التّخييلية المتقصدة.
أمّا الحداثة، فلا مجال لكتابة (الق ق ج) على منوال القصّة القصيرة، أو أي نوع من السّرديات المتعارف عليها، أو النّصوص المعيارية، لأنّ (الق ق ج) قصّة أولاً، و ثانيا نمط حديث في الكتابة السّردية ، حقّق وجوده و مؤشرَه الأجناسي في إطار من التّخييل الشّاعري (La fiction poétique)..قد يكون في ذلك نوع من التّجاوز للبناءِ الأرسطي (بداية قمّة سقوط ) إلى نماذج أخرى مستحدثة. تحتّم شِعرية مختلفة منها:

1 ــ شعرية العنوان:
إنّ العنوان له أهمية كبيرة في الأعمال الأدبية عامّة، و في (الق ق ج) بخاصّة، نظرًا لحجمها القصير، و شدّة تكثيفها اللّغوي..و لقد اهتمّ النقاد قديما و حديثا بأهمية العنوان تنظيرًا و نقدًا.. و لعلّ الأهمية العلمية بهذا الموضوع، ما نجده في كتابة ليو هوك المؤسّس الفعلي لعلم العنوان (Titrologie).كما كان لجرارجنيت دور هامّ ،في دراسة العتبات، و قد حدّد للعنوان وظائف خاصّة :
“الوظيفة التعيينية ،و الوظيفة الوصفية و الوظيفة الايحائية و الوظيفة الاغرائية.” (3 )
و لكن كثيرا من المبدعين لا يعون أهمية العنوان، و يأتون بما لا علاقة له بالنّص تخلّصًا من عِبء التَّفكير في الإعداد، و الصّياغة الملائمة ، التي ليس من السّهل تملّكها. و لو علموا أنّ شعرية العنوان باب لفهم و استيعاب النّص، و الاقبال عليه، لتجشَّموا عناء التّدبّر و البَحث..
فشعرية العنوان كأوّل عتبات النّص، تقوم على سند نحوي : مركب اسمي، أو جملة فعلية ، أو شبه جملة، أو كلمة مفردة. فضلا عن السّند الصّرفي ، و البلاغي، و المعادل الرّمزي، و البنية اللّغوية ، و ما يَعتريها من حذف، و اضمار، و تقديم و تأخير، و الإيحاء التناصي، و مستوى الفاعلية الدّلالية : نفسية /اجتماعية، أوفلسفية /إنسانية .. و مدى ما يتضمّنه العنوان من قبول للتّأويل، و من إثارة و إغراء للمُتلقي.. لا شكّ أنّ كلّ هذا، أو بعضه، ممّا يُساعد على بلورة شعرية فنّية للنّص المُوازي للنّص الأصلي .

2 ــ إن شعرية (الق ق ج) لا تتحقّق بعيدًا عن نسق الأسلوبية المُتمثلة في:اللّفظ، و التّركيب و الدّلالة. فهذا ما يُحقّق دينامية السّرد.
ــ فاللّفظ : ينبغي أن ينتقى بعناية ليكون لبنة فعّالة في بناء الفكرة. لا أن يكون نشازًا حذفه أحسن من إبقائه. ثمّ إنّ حجم النّص لا يطيق الزّيادة، و الألفاظ العاطلة، المُعطِّلة..
ــ أما التّركيب: فيستوجب مهارة و تقنية الكتابة، فالجمل قصيرة، مكثّفة ذات إيحاء و تلميح، و ليست بالجمل البريئة، لأنّها بنيويًا مشحونة بعميق الدّلالة، في بعدها الرّمزي، أو الأيقوني، أو الخرافي، أو الأسطوري، أو التّركيز على ما هو ذاتي جواني..
ــ أما الدّلالة: في نسقها التّركيبي، و في مجال (الق ق ج)، ليست تقريرًا بشيء، أو معنى حقيقيًا مُباشرا (Dénotation) بل على العكس من ذلك، فالخرجة في (الق ق ج) ليست نهاية النّص. بل هي باب مشرَعة للتّأمل و التّخييل و التّأويل في مجال ارحب نسميه : ظلال الدّلالة. و هذا ما يُقوي شِعرية النّص، حين تلامس أفاقا تخييلية، و تمثلات، و تصورات رمزية، و أسطورية أو ثقافية…

3 ــ شعرية الايجاز: في كتابة (الق ق ج) يجد القاص نفسه مُحاطًا بمكونات الإيجاز، من تكثيفٍ لغوي ، و حذفِ، و إضمار، و تضمين، و رمز.. و هي عملية تتطلب مهارة كتابية، بلاغية لسانية .. إذ بأقل ما يمكن منَ الكلام تصاغ قصّة كاملة مُكتملة، بدون شططٍ أو زيادة لفظية، كاستجابة لقولة ( فيثاغورس): “لا تقل القليل بكلمات كثيرة، بلِ الكثيرَ بكلمات قليلة ”

4 ــ شعرية المقابلة و المفارقة: إنّ تعميق الشّعور بالفعل الدرامي، و ما يقابله لدى المتلقي. أو الاحساس المثير بفعل المُفارقة، و ما تحدثه من رَجّة في تفكير المتلقي.. كلّ ذلك يكسب الحدثَ شعرية متميزة ، تخدم النّص القصصي كحجم متجانس، فيتّسم نسقيًا ببلاغتي الامتاع و الاقناع. و إنْ كانت المُقابلة و المفارقة ليستا حكرًا على (الق ق ج) ، بل هما خاصيتان في كلّ الأجناس الأدبية، بما في ذلك الشّعر. إلا أنّهما في (الق ق ج) يعتبران كسندٍ فنّي لا غنى عنه، لخلق نبض حيوي في مفاصل النّص القصصي، و إنّ إتقان بنائهما على الوجه الأكمل و الفنّي ما من شأنه أنْ يحقّق شعريتهما..

حقّا، إنّ (الق ق ج)، من الفنُون السّردية الصّعبة المتمنّعة.. لأنّها من حيث النّسق و الأسلوب القصصي ،تجسّد شكلا شعريا فنّيا. ( Forme poétique artistique ) و ليس كلّ الكتّاب يملكون هذا الحسّ الشّعري على مستوى اللّفظ و التّركيب، لذا تتفاوت النّصوص إبداعا ، و مهارة ، و ذوقًا، و ذلك لتفاوت إدراك نَهج الأسْلبَة، و علم السّرد، و أنْساق الخِطاب .. و مع ذلك يَنبغي التّنبيه على أن تكونَ الشِّعرية في خدمَة فكرة النّص، لا أن تكون عِبئًا على المسار السّردي. أو مهيمنة ولافتة تغيّبُ الدّلالة، و تُطمس علاقة المعنى بالتّركيب. أقصد بذلك، أن تكون شِعرية عفوية، في إطار تقنية القص ، و احترام قواعد التّكوين، بعيدة عن التّقعُر اللّفظي، و التّصنّع و التّكلّف الأسلوبي..

…..

1 ــ كمال أبو ديب: في الشعرية. مؤسسة الأبحاث العربية بيروت ،ط/1 ، 1987 ،ص/17
2 ــ عبد السلام المسدي، المصطلح النقدي، مؤسسات عبد الكريم بن عبد الله للنشر و
التوزيع تونس ط/3 ،1994 ص/115
3 ــ عتبات جرار جنيت ، الدار العربية للعلوم منشورات الاختلاف، الجزائر،2008،
ص/65

عن @d_1p20

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
casibomcasibom girişcasibom resmi girişdeneme bonusu veren sitelerdeneme bonusucasino sitelerideneme bonusu veren sitelerdeneme bonusu veren sitelercasino siteleribahis siteleribonus veren sitelermarsbahismarsbahis girişmarsbahis güncel girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişcasibomcasibom girişmarsbahismarsbahis girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişegebetegebet girişegebetegebet girişegebetegebet girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahiscasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişbetparkbetpark girişbetparkbetpark girişbetparkbetpark girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis