بقلم: الناقدة أماني أبو العينين
باحثة في اللغة والأدب
.
حين وقعت عيناي على عنوان المجموعة القصصية “العنكبوت”، تعاملت معه بوصفه العتبة التأويلية التي تقرأ المجموعة كلها في ضوئها. فما إن أغلقت هذه المجموعة حتى أدركت أنني كنت أبحث طوال القراءة عن عنكبوت، ولم أجد عنكبوتاً واحداً بين السطور، لكنني وجدت خيوطه في كل صفحة. فالعناكب لا تكشف نفسها، وإنما تعرف من شبكتها وخيوطها، وكذلك الأفكار الكبرى في الأدب لا تقدم مباشرة، إنما تدرك من آثارها وهي تتسلل بين الشخصيات والأحداث والرموز.
من هذه الزاوية، يتحول العنوان إلى استعارة كبرى لبنية المجموعة كلها؛ إذ تتشابك القصص كما تتشابك خيوط بيت العنكبوت، تبدو للوهلة الأولى متفرقة، لكنها في الحقيقة تنتهي جميعاً إلى مركز واحد. فكل قصة تمسك بخيط مختلف: خيط السلطة، أو المعرفة، أو الحب، أو المرض، أو الذاكرة، أو الخوف، أو اللغة، أو الموت، غير أن هذه الخيوط جميعها تتلاقى في سؤال واحد يظل يتردد بصور متعددة في معظم النصوص (ما الذي يتحكم في الإنسان حقاً؟(
هل هي السلطة التي تعيد تشكيل وعيه؟ أم المجتمع الذي يصوغ أفكاره؟ أم الرغبة التي تقوده؟ أم الخوف الذي يكبلّه؟ أم اللغة التي يفكر بها؟ أم الموت الذي ينتظره؟ أم أن الإنسان، منذ لحظة تكوينه، يعيش داخل شبكة من القوى الخفية التي لا يرى منها إلا آثارها؟
ثانياً: خصوصية التجربة – الشاعر والمحامي
ولعل اجتماع الشعر والمحاماة في شخصية الكاتب يفسر جانباً من خصوصية هذه التجربة؛ فقد منحته شاعريته قدرة على تكثيف الصورة واللغة، بينما منحته المحاماة ميلاً إلى بناء الحجة، واستدعاء الاحتمالات، وترك القارئ في موقع القاضي الذي يطلب منه إصدار حكمه بعد سماع جميع الأصوات. ولذلك فإن معظم القصص لا تقدم الحقيقة بوصفها حكماً نهائياً، بل بوصفها قضية مفتوحة للمرافعة.
ثالثاً: البنية الفكرية – من “الملك” إلى “السر”
أول ما يستوقف القارئ المتأمل في هذه المجموعة أن الصراع الحقيقي فيها ليس صراعاً خارجياً بقدر ما هو صراع داخلي؛ فالشخصيات لا تواجه العالم بقدر ما تواجه نفسها. وهذا يظهر بوضوح في ترتيب القصص الذي أحسبه أقرب إلى معمار دلالي مقصود. فافتتاح المجموعة بقصة “الملك” لا أحسبه اختياراً اعتباطياً؛ لأنها تمثل البذرة الفكرية التي ستتفرع منها بقية النصوص.
قصة “الملك” – مساءلة السلطة
الملك هنا لا يؤدي وظيفة الشخصية بقدر ما يؤدي وظيفة الرمز؛ إنه الإنسان حين يتوهم امتلاك الحقيقة الكاملة، ويظن أن السيطرة على الخارج تمنحه السيطرة على ذاته. لكن القصة تكشف تدريجياً أن أعقد الممالك ليست تلك التي تدار بالسيوف والقوانين، إنما هي تلك التي تدار داخل الإنسان نفسه. وينتقل النص من توصيف خلية نحل إلى مساءلة فلسفية لفكرة الحتمية ذاتها؛ فهل نحن نختار أفعالنا حقاً، أم نؤدي أدواراً رسمت لنا قبل أن نعيها؟
ولا تقف القصة عند سؤال السلطة، لأن متتبعها سيلمح أنها تمتد إلى نقد البنية الاجتماعية نفسها؛ حين يختزل الحب في المنفعة، ويصبح الصمت فضيلة مفروضة، والطاعة شرطاً للبقاء. وحين يقول الراوي: “التزمت الخرس في امتثال لتقاليد الخلية”، فإن الخلية تكف عن كونها عالماً حشرياً، لتغدو صورة رمزية لمجتمعات تعيد تعريف القيم وفق مقتضيات النظام لا وفق مقتضيات الإنسان.
ولذلك أحسب أن انتقال الكاتب بعد ذلك مباشرة إلى قصة “السر” ليس انتقالاً بين موضوعين مختلفين، إنما هو انتقال من سؤال السلطة إلى السؤال الذي يسبقها جميعاً: سؤال الوجود. فإذا كانت قصة «الملك» تكشف أن الإنسان محكوم بقوى لا يراها، فإن قصة «السر» تعود خطوة إلى الوراء لتسأل: كيف بدأ هذا الإنسان أصلاً؟ ومن الذي صاغ وعيه الأول؟
يفتتح الكاتب القصة بواحدة من أجمل الصور في المجموعة: “يبتدئ السر بالسكون، للسكون جلاله، وللجلالة مهابة الحضور.” إنه لا يبدأ الحياة بالميلاد، بل بما يسبق الميلاد؛ إذ يكون الإنسان في حالة اكتمال لا يعرف الانقسام بين الذات والعالم. ثم يصف الرحم بوصفه الفضاء الأول للمعرفة، فيقول: “هذه الكرة المغلقة… عالمك، وفضاؤك الأرحب من أي فضاء.”
لكن لحظة الميلاد ليست بداية الاكتشاف، إنما هي بداية الفقد عند الإنسان؛ إذ يقول: “تصرخ لأنك تركت السر وخرجت وحدك.” فالصرخة الأولى ليست صرخة الحياة، لكنها صرخة الانفصال عن الحقيقة الأولى.
ثم تأتي أكثر فقرات القصة كثافة حين يربط الكاتب بين اللغة وفقدان السر: “تتعلم أبجدية أحرفهم وتنسى ألف باء السر، تنطق اسمك لأول مرة بلغتهم، ويضيع مفتاح السر.” إنه لا يجعل اللغة أداة للمعرفة، بل بداية للمسافة بين الإنسان وحقيقته الأولى؛ فالاسم ليس مجرد وسيلة للتعريف، بل هو أول أشكال إخضاع الذات للنظام الرمزي الذي يصنعه المجتمع.
ويبلغ هذا المعنى ذروته في قوله: “قاموا بحماقتهم بمسح الذاكرة الأولى.” فالمشكلة ليست أن الإنسان يجهل السر، بل أنه نسي عمداً؛ ولذلك يتحول النص إلى مساءلة عميقة للتنشئة، والثقافة، والعادة، وكل ما يعيد تشكيل الوعي حتى يظن الإنسان أن الأفكار التي يحملها هي أفكاره، بينما هي نتاج ما غرس فيه منذ الطفولة.
رابعاً: تجليات السؤال في القصص الأخرى
من هذه النقطة تتفرع جميع القصص اللاحقة، وكأن كل قصة تمثل تجلياً مختلفاً للسؤال نفسه:
في قصة “القلم” يتحول القلم إلى ذات أخرى تحاور الكاتب وتواجهه؛ إنها مواجهة بين المبدع وصوته الداخلي، حيث القلم الذي يطالب بحقه في التعبير ليس مجرد أداة كتابة، إنما هو صورة رمزية للوعي المكبوت الذي يرفض الخضوع الكامل لسلطة صاحبه.
في “وسوسة” يعيد الكاتب صياغة العلاقة التقليدية بين الإنسان والشيطان بصورة ساخرة وعميقة؛ فالشيطان يبدو مرهقاً من صاحبه أكثر مما يبدو الإنسان ضحية له. والنص لا يتحدث عن الشيطان بقدر ما يتحدث عن التقلب الإنساني نفسه.
في “الناموس” يتجسد الخوف في صورته المتضخمة. تبدأ الحكاية بوخزات صغيرة، ثم تتحول تدريجياً إلى كابوس يبتلع العالم كله. والكاتب هنا يرصد الآلية النفسية لتكاثر الهواجس.
“الماموغرام” لا تتناول القصة المرض بقدر ما تتناول انتظار المرض، ولا تتناول الألم بقدر ما تتناول الخوف من الألم. إن البطلة تعيش مع احتمال الكارثة أكثر مما تعيش مع الكارثة نفسها.
في “محبة” يترك الكاتب باب التأويل مفتوحاً بين تفسيرين متجاورين: تفسير شعبي يؤمن بفاعلية السحر، وتفسير نفسي يرى أن الحب والاعتياد قادران على إنتاج الأثر نفسه. وهنا تظهر تقنية الفراغ التأويلي؛ حيث يمتنع النص عن تقديم حقيقة نهائية، ويجعل القارئ شريكاً في إنتاج المعنى.
أما قصة “العنكبوت” نفسها، فهي تجسيد للعنوان. فالعنكبوت لا يظهر بوصفه شخصية، وإنما بوصفه طريقة في النظر إلى العالم؛ عالم تدار فيه الأشياء عبر خيوط دقيقة لا ترى مباشرة، لكنها تتحكم في حركة الجميع. ومن هنا يتحول العنكبوت إلى استعارة للأنظمة الفكرية والاجتماعية والنفسية التي تنسج وجود الإنسان.
أما “الجدة” فتبدو لي من أكثر نصوص المجموعة قدرة على الجمع بين البساطة الظاهرة والعمق الكامن. فالكاتب يستعير لغة الحياة اليومية بكل ما فيها من عفوية وطرافة، حتى يشعر القارئ أنه يستعيد واحدة من جداته. فالجدة تريد حياتها كما عاشتها، بينما يريد الكاتب حياتها كما يراها الفن. وبين الموقفين يتولد سؤال قديم متجدد: هل الأدب مرآة للواقع أم إعادة خلق له؟ ولذلك جاءت عبارتها الأخيرة: “صحيح إنك بياع حكي” جملة شديدة الكثافة؛ تبدو ساخرة على السطح، لكنها تختزل التوتر الأزلي بين الحقيقة والسرد، وبين الذاكرة والتخييل.
في “غيبوبة” لا أقرؤها بوصفها إعادة تخييل للخليل بن أحمد الفراهيدي، بقدر ما أقرؤها بوصفها مساءلة للسلطة المعرفية نفسها. فالضربة التي تصيب رأس الفراهيدي لا تصيب الجسد وحده، بل تصيب الهالة الرمزية التي تحيط بالمعرفة حين تتحول إلى يقين مغلق. وما إن تتصدع تلك الهالة حتى تبدأ الأسئلة المكبوتة بالخروج إلى السطح.
واستوقفني في هذه القصة التفاحة التي تظهر في موضع الإصابة. لم أجدها تفصيلاً عابراً، وجدتها رمزاً بالغ الثراء. فالتفاحة في الذاكرة الإنسانية ليست ثمرة فقط؛ إنها علامة على الانتقال من البراءة إلى المعرفة. منذ تفاحة آدم التي فتحت باب الوعي، إلى تفاحة نيوتن التي فتحت باب السؤال العلمي، ظلت التفاحة رمزاً للحظة الانكشاف الكبرى. ومن هذا المنظور، تبدو التفاحة التي تنبت في رأس الفراهيدي ليست تورماً جسدياً، بل ولادة ثانية للوعي. إنها إصابة تكشف أكثر مما تؤذي، وتوقظ أكثر مما تسقط. وكأن الزعبي يريد أن يقول إن المعرفة الحقيقية لا تبدأ حين نمتلك الأجوبة، بل حين نصاب بما يكفي من الشك لنراجعها.
في “التراب” ليست قصة عن الموت بقدر ما هي قصة عن اكتشاف الذات. فالسندباد يمضي عمره كله باحثاً عن الإجابات خارج نفسه، لكنه لا يقترب من حقيقته إلا حين يواجه السؤال الأخير: من أنت؟ ولذلك تبدو العبارة: “تراب يمشي على تراب، وتراب في بطن تراب” واحدة من أكثر العبارات تكثيفاً للرؤية الوجودية.
واللافت في هذه القصص أن الكاتب لا يغلق باب التأويل، إنما يتعمد أن يتركه مشرعاً أمام القارئ. وهذه التقنية تعرف في النقد الحديث بانفتاح النص أو الفراغ التأويلي؛ حيث يمتنع النص عن تقديم حقيقة نهائية، ويجعل القارئ شريكاً في إنتاج المعنى. ولذلك لا يغادر القارئ القصة وهو يحمل إجابة، بل وهو يحمل احتمالات متعددة، وهو ما يمنح النص قدرة أكبر على البقاء في الذاكرة.
خامساً: الزمن الدائري بوصفه رؤية فلسفية
ومن السمات البارزة في هذه المجموعة أن الزمن ليس زمناً خطياً، بل زمناً دائرياً. وهذه سمة تتكرر بصورة لافتة:
· في “السر”: يبدأ الإنسان بالسكون وينتهي بالسكون.
· في “التراب”: يبدأ بالتراب وينتهي بالتراب.
· في “الملك”: تتكرر دورة الحياة ذاتها في كل موسم.
· في “محبة: تتكرر أنماط الوهم نفسها بأشكال مختلفة.
إذن الزمن هنا ليس تقدماً نحو الأمام، بل عودة دائمة إلى الأصل. وهذا من أهم المرتكزات الفلسفية للمجموعة. وكأن الإنسان:
يولد… ثم يشكل… ثم يبحث… ثم يشك… ثم يحب… ثم يخاف… ثم يمرض… ثم يموت… ثم يعرف.
*(جعل الزمن والمكان كفضاءين نفسيين)
الزمن في هذه المجموعة ليس زمناً كرونولوجياً، بل زمناً نفسياً. في “الماموغرام” لا تعيش البطلة زمن الفحص الطبي، وإنما تعيش زمن الانتظار؛ وهو زمن يتباطأ حتى يكاد يتحول إلى عبء نفسي مستقل. وكذلك المكان، فخلية النحل ليست مكاناً فحسب، بل نظاماً اجتماعياً. وغرفة الفحص ليست غرفة، بل مساحة يتجسد فيها القلق. وبيت الجدة ليس منزلاً، بل ذاكرة جمعية كاملة. أما القبر والتراب، فلا يؤديان وظيفة النهاية المكانية، بل يتحولان إلى فضاء للتأمل في المصير الإنساني.
سادسًا: التقنيات السردية
لا تستقر المجموعة من حيث التصنيف داخل واقعية، ولا رمزية، ولا فانتازيا، ولا ميتاسرد، إنما تستثمر أدوات هذه الاتجاهات جميعاً بحسب ما تقتضيه الفكرة. فالزعبي لا ينتمي إلى مدرسة بعينها بقدر ما يوظف تقنياتها لخدمة مشروعه الفكري، ولذلك تبدو المجموعة أقرب إلى مشروع تجريبي فلسفي يقدم الفكرة في أكثر من هيئة سردية.
سابعاً: الميتاسرد والقارئ الضمني
ومن أبرز السمات الفنية حضور الميتاسرد؛ أي أن يتأمل النص عملية السرد نفسها. وهذا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمفهوم القارئ الضمني؛ فالكاتب لا يكتب لقارئ ينتظر نهاية الحكاية، بل لقارئ يشارك في صناعتها. فكثير من القصص تنتهي دون أن تغلق معناها، وهذا ما يمنح النصوص أثرها المؤجل؛ إذ لا تنتهي بانتهاء قراءتها، وإنما تبدأ مرحلة ثانية داخل ذهن المتلقي.
ثامناً: القراءة متوازنة
أبرز ما يحسب للكاتب قدرته على تحويل اليومي والمألوف إلى سؤال وجودي. فالنحلة، والقلم، والناموس، والتفاحة، والورم، والتراب، والجدة، والشيطان هي أشياء في الحياة قام بتوظيفها وجعلها علامات دلالية يعاد شحنها بمعان جديدة.
غير أن القراءة النقدية تقتضي التوقف عند بعض الملاحظات المنهجية. ففي بعض النصوص، ولا سيما “التراب” و”غيبوبة” و”وسوسة”، تتقدم الفكرة الفلسفية على الحركة الدرامية، فيصبح الحدث حاملاً للتأمل أكثر من كونه محركاً له. وهذا خيار مشروع في السرد الفكري، لكنه يجعل بعض الشخصيات تؤدي وظيفة رمزية أكثر من كونها شخصيات نامية.
كما أن انفتاح الرموز على احتمالات تأويلية متعددة يمنح النصوص ثراءً، لكنه يجعلها تطلب قارئاً يمتلك استعداداً للتأويل، وقادراً على الصبر على الغموض المنتج للمعنى.
غير أنني لا أرى هذه الجوانب بوصفها مواطن نقص، بقدر ما أراها نتائج طبيعية لاختيار جمالي وفكري واع. فالزعبي لا يراهن على الحبكة التقليدية، إنما يراهن على الرمز والسؤال والتأمل.
تاسعا: الحوار مع الأدب العالمي والاقتباسات الفكرية
تلتقي هذه المجموعة مع بعض التجارب السردية والفلسفية العالمية، لا من حيث التقليد، بل من حيث الاشتغال على الأسئلة الكبرى. فهي تلتقي مع فرانز كافكا في تحويل الواقع إلى فضاء للاغتراب، ومع ألبير كامو في مساءلة الوجود، ومع فيودور دوستويفسكي في تعرية أعماق النفس الإنسانية. لكنها تحتفظ بمرجعيتها الثقافية العربية، فلا تستعير هذه الأسئلة، إنما أعادت إنتاجها داخل بيئة لغوية خاصة بها.
ومن هنا تكتسب الاقتباسات التي يتركها الكاتب داخل نصوصه قيمتها؛ لأنها محطات فكرية تختزل المشروع كله.
فيقول في “التراب: “تراب يمشي على تراب، وتراب في بطن تراب”
وفي ظاهر العبارة بساطة، لكنها في عمقها ترد الإنسان إلى أصله، وتسقط أوهام الامتياز، وتذكر بأن المعرفة الحقيقية تبدأ حين تتلاشى صور التعالي.
ويقول أيضاً: “لا تكتمل معرفة الكائنات إلا بعد أن تموت”
وهذه ليست دعوة إلى اليأس، وإنما تذكير بأن الإنسان يظل مشروعاً مفتوحاً، وأن المعرفة الكاملة ليست امتلاكاً للحقيقة، بل إدراكاً دائماً لحدودها.
خاتمة
لا تكتفي هذه القصص بإيصال حكاية إلى القارئ، هي تدفعه إلى إعادة النظر في مسلماته الخاصة. لأنها تشبه في أثرها تلك الحصاة الصغيرة التي تلقى في ماء راكد؛ إذ لا تكمن أهميتها في حجمها، بل في الدوائر التي تظل تتسع بعدها. لتجعل المتلقي يخرج من هذه المجموعة وهو أقل يقيناً وأكثر تساؤلاً.
ولذلك، فإن “العنكبوت” لا تنسج خيوطها حول شخصياتها وحدها، بل حول قارئها أيضاً؛ إذ تغادر الصفحة، لكنها تظل عالقة في الذهن، تماماً كما تفعل خيوط العنكبوت التي يصعب الإفلات من أثرها.
دخلت هذه المجموعة وأنا أبحث عن العنكبوت، لكنني خرجت منها وقد أدركت أن الكاتب لم يكن يريد للقارئ أن يرى العنكبوت أصلاً؛ لأن العناكب الحقيقية لا تظهر، وإنما تعرف من أثرها. وما يبقى في الذاكرة ليس الكائن، بل الشبكة التي نسجها.
لم يكتب أكرم الزعبي ثلاث عشرة قصة مستقلة، هو نسج ثلاث عشرة خيطاً، تتشابك جميعها في مركز واحد، حتى إذا انتهى القارئ من آخر قصة، اكتشف أن الخيوط التي ظنها متفرقة كانت منذ البداية تنتمي إلى شبكة واحدة.
وأغادر “العنكبوت” وأنا أكثر اقتناعاً بأن الإنسان لا يعيش داخل العالم فحسب، بل يعيش داخل اللغة التي يفسر بها العالم؛ وكلما ظن أنه أمسك بالحقيقة اكتشف أنه أمسك بخيط من خيوطها فقط. وربما لهذا السبب يظل الأدب ضرورة إنسانية؛ لأنه لا يمنحنا يقيناً جديداً، بل يعلمنا كيف نرى هشاشة يقيننا القديم.
وأختم بما أعتبره خلاصة هذه التجربة كلها: النص الأدبي لا يقاس بعدد الأجوبة التي يمنحها، بل بعدد الأسئلة التي يتركها حية في قارئه. فالأدب العظيم لا يملأ فراغ الفكر، وإنما يوسع حدوده.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية

