بقلم:فاطمة العبدالله
قراءة حداثية رمزية في ضوء التفكيك..
ينتمي نص (حنين اللغة) إلى فضاء قصيدة النثر الحديثة التي تتجاوز المباشرة التعبيرية نحو بناء عالم رمزي تتشابك فيه اللغة والذاكرة والهوية. ولا ينهض المعنى في النص على الحكاية أو الحدث بل على شبكة من الصور والإشارات التي تستدعي أبعاداً نفسية وثقافية وحضارية. ومن ثم تبدو القراءة الحداثية الرمزية المدخل الأنسب لمقاربة النص على أن تستثمر بعض أدوات التفكيك للكشف عن التوترات الداخلية والانزياحات الدلالية التي تؤسس شعرية النص…
كما يرى الناقد “نورثروب فراي” أن الرمز في الشعر ليس مجرد زخرفة بل “وحدة دلالية تفتح النص على مستويات متعددة من المعنى” . ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى رموز النص بوصفها مفاتيح لتجربة وجودية تتجاوز حدود الذات الفردية…
البنية الرمزية وبناء الحنين
يتأسس النص على رمز مركزي هو (حنين اللغة) . فالعنوان لا يقول: الحنين إلى اللغة، بل يجعل اللغة ذاتها موضوعاً للحنين أو فاعلًا له. ومنذ البداية يدخل القارئ في فضاء تتداخل فيه التجربة الشعورية بالتجربة اللغوية .
تظهر هذه الرؤية في قول الشاعر:
“المطرُ حنينُ اللغة ”
فالمطر هنا لا يقدم بوصفه ظاهرة طبيعية، بل يتحول إلى معادل رمزي للخصب والاستعادة والانبعاث. ويقابله رمز آخر هو:
” واليباسُ ينهشُ ذاكرتي ”
فتنشأ ثنائية رمزية واضحة بين المطر واليباس و بين الحياة والجفاف وبين الذاكرة الحية والذاكرة المهددة بالتآكل.
وتتسع هذه الشبكة الرمزية عبر مفردات: الغيمة، الطفولة، النور، الحورية، وكلها تتضافر لتكوين حقل دلالي واحد يتمحور حول البحث عن أصل مفقود أو هوية غائبة…
الحورية الآرامية واستدعاء الذاكرة الحضارية
تمثل صورة: “حوريةٌ آرامية ” أكثر رموز النص كثافة وخصوصية.
فالصفة ” الآرامية ” تنقل النص من الحيز الذاتي إلى أفق حضاري وثقافي أوسع. إنها ليست حورية أسطورية مجردة، بل كائن يرتبط بإحدى أقدم اللغات والثقافات في المشرق. ومن ثم تصبح الحورية تجسيداً شعرياً للغة الأم أو للذاكرة الثقافية العميقة.
وتكتسب الصورة بعدها الرمزي الكامل حين يقول الشاعر:
“عيناها تعزفان لي ”
فاللغة هنا لا تسمع بالكلمات بل بالموسيقى و الإيحاء وهو ما ينسجم مع التصور الحداثي الذي يجعل الشعر تجربة كشف لا تجربة إخبار …
رمزية المسافة والبحث عن العبور
تتكرر مفردة المسافة مرتين:
‘المسافة خطوط هاربة ”
ثم:
” مفتاح المسافة يلوح لي ”
في المقطع الأول تبدو المسافة قوة انفصال وتباعد، أما في المقطع الثاني فتغدو قابلة للاختراق عبر ” مفتاح ” رمزي.
وهنا يتحول النص من الإحساس بالفقد إلى إمكانية الاستعادة. فالمفتاح ليس أداة مادية، بل رمز معرفي أو روحي يعد بتجاوز القطيعة بين الذات و ماضيها .
وبذلك تنتظم حركة النص بين قطبين: الابتعاد والعودة، الضياع والاسترداد …
تفكيك التوترات الدلالية
إذا كانت القراءة الرمزية تكشف وحدة التجربة، فإن أدوات التفكيك تكشف ما يختبئ داخل هذه الوحدة من تناقضات.
يرى جاك دريدا أن المعنى لا يستقر نهائياً، بل يتولد من الاختلافات والتوترات داخل النص. ومن هذا المنظور يمكن ملاحظة عدة ثنائيات متعارضة:
المطر / اليباس ، الذاكرة / النسيان ، المسافة / العناق الغياب / الحضور ،العطش / الارتواء
ففي الوقت الذي يقول فيه الشاعر:
” أعانق ذاكرة طفولتي ”
نجده في موضع آخر محكوماً بالمسافة والخطوط الهاربة. وهكذا لا يتحقق العناق بصورة نهائية، بل يبقى رغبة معلقة.
كذلك فإن عبارة: ” حنين اللغة ” تحمل انزياحاً دلاليا مهماً فالمنطق المعتاد يفترض أن الإنسان يحن إلى اللغة، لكن النص يعكس العلاقة فيصبح الحنين منسوباً إلى اللغة ذاتها. وبهذا تتزعزع الحدود بين الذات والموضوع و بين المتكلم وما يتكلم عنه.
أما صورة:
” عبير اللهفة ينزف ”
فتجمع بين حقلين دلاليين متباعدين: العبير (الشم) والنزف (الجسد). وهذا التداخل يخلق توتراً دلالياً لا يحسم بالكامل وهو ما يمنح الصورة طاقتها الشعرية ويجعلها قابلة لتأويلات متعددة….
وفي سياق الشعرية الحداثية العربية يمكن ملاحظة أن النص يقترب من بعض التجارب التي جعلت اللغة والذاكرة محوراً للرؤية الشعرية. فالبعد الحضاري الكامن في صورة “الحورية الآرامية ” قد يذكر ببعض الممارسات الرمزية لدى أدونيس في استدعاء المرجعيات الثقافية والتاريخية ضمن بنية شعرية حديثة. كما تتردد في النص أصداء من العلاقة بين الهوية والذاكرة التي شكلت أحد المرتكزات الأساسية في شعر محمود درويش غير أن “حنين اللغة ” يتجه بصورة أوضح نحو البعد اللغوي والحضاري أكثر من انشغاله بالسياق الوطني أو التاريخي. ومع ذلك، يحتفظ النص بخصوصيته من خلال بناء رموزه الخاصة ولا سيما صورة ” الحورية الآرامية ” التي تشكل مركزاً دلالياً مميزاً داخل التجربة الشعرية…
وعليه، يتبين أن النص يؤسس رؤيته الشعرية على استعادة اللغة بوصفها حاضنة للذاكرة ومكوناً للهوية وامتداداً للأصل الحضاري. وتنهض هذه الرؤية عبر منظومة رمزية تتصدرها صور المطر و الحورية الآرامية و الغيمة والمفتاح، بوصفها علامات دالة على البحث عن الذات واستعادة المعنى.
غير أن القراءة التفكيكية تكشف أن هذا البناء الرمزي لا يفضي إلى دلالة مستقرة أو هوية مكتملة، بل يقوم على شبكة من التوترات و الثنائيات المتعارضة و الانزياحات . ومن ثم لا يقدم النص هوية مستعادة بقدر ما يجسد فعل السعي إليها.
وتكتسب خاتمة النص أهميتها من انفتاحها الدلالي في قول الشاعر: ” وحنينُ اللغةِ يدهشني ” إذ لا تمثل هذه العبارة لحظة وصول أو اكتمال و إنما تؤكد استمرار إنتاج المعنى وتأجيل حسمه بما يجعل اللغة فضاءً دائماً للبحث والتذكر وإعادة تشكيل الذات…
الناقدة فاطمة العبدالله
النص :
حنينُ اللغةِ
المسافةُ خطوطٌ هاربةٌ..
المطرُ حنينُ اللغةِ..
عبيرُ اللهفةِ ينزفُ..
واليباسُ ينهشُ
ذاكرتي..
غيمةٌ تناديني..
أعانقُ ذاكرةَ طفولتي،
تظهرُ لي حوريةٌ آراميّةٌ؛
عيناها تعزفانِ لي..
تروضانِ ظمئي المستفحلَ..
مفتاحُ المسافةِ
يلوحُ لي..
نورُ عينيها يسبقُني،
وحنينُ اللغةِ
يُدهشُني.
الشاعر محمد مجيد حسين
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية