يقف النصّ القصصي “رغوة” كمنجزٍ سرديٍّ يتجاوز وظيفته الحكائية ليؤسس لرؤية كونية تضع مركزية الإنسان موضع تساؤل جذريّ، ففي مشهد حمامٍ زلقٍ تغشاه الرغوة والبخار حيث يمارس الكاتب نقضاً ضمنياً للأنثروبوسنترية (مركزية الإنسان) التي تهيمن على الثقافة الغربية الحديثة منذ عصر النهضة، مستعيراً تقنيات ما بعد الحداثة في تفكيك التراتبية بين الإنسان والحيوان، ومقدّماً رؤيةً تخلع عن الإنسان هالته المقدّسة لتصفه ككائنٍ هشٍّ يلهث وراء غرائزه تماماً كالكلاب التي تتصارع خارج الحمّام، وتسعى هذه الرؤية المتواضعة إلى تقصّي مظاهر نقض الأنثروبوسنترية في النصّ عبر أربعة اتجاهات ارتكازية ومنها تفكيك التراتبية الوجودية، والمحاكاة الساخرة للفعل الإنساني، والجسد المهين بوصفه أداة نزع القداسة، والفضح بوصفه إعادة تعريف للمكانة الإنسانية، ففي الاتجاه الأول، حيث تأسس الوعي الغربي الحديث على فكرة تميّز الإنسان عن سائر الكائنات بفضل العقل والوعي واللغة، وهي (الثالوث) الذي منحه شرعية السيطرة على الطبيعة والحيوان، يحاول نص “رغوة” على تفكيك هذه التراتبية عبر إقامة توازٍ بنيويّ بين فعل الراوي وفعل الكلاب، حتّى ليصيران مشهداً واحداً حيث يقول الراوي:”أنا والكلاب في مسرحٍ واحد؛ هم يطاردون غريزتهم في الهواء الطلق، وأنا أطارد صابونتي في عتمة الضباب”، فالمسرح هنا ليس مجرّد استعارة بل إعلان عن تسوية وجودية: الإنسان لا يخرج عن كونه كائناً غريزياً يطارد “موضوعاً” كالكلاب تماماً، لكن المفارقة تكمن في أنّ موضوع مطاردة الإنسان (الصابونة) أكثر تفاهةً من موضوع مطاردة الكلاب (الغريزة الجنسية)، فبينما تطارد الكلاب غريزة الحياة والبقاء، يطارد الراوي أداة تنظيف زلقة في حمّام مغلق، وكأنّ الكائن الإنسانيّ، بعقله المزعوم، قد حوّل حياته إلى مطاردة أشياء ثانوية لا قيمة حقيقية لها، والأكثر إيلاماً أن الكلاب تنجح في النهاية (فهي تتوقف عن العراك، مما يوحي بظفر أحدها)، بينما يفشل الراوي ويسقط منفرج الساقين أمام صابونته، وهنا ينقلب الميزان فالحيوان الأقل وعياً يحقّق غايته، والإنسان الواعي يخسر في أرضه الخاصة، وهذه هي اللحظة التي ينهار فيها البناء الأنثروبوسنترىّ بأكمله، حيث تصبح الغريزة الحيوانية أكثر كفاءة من الفعل الإنساني المتعثر، وإنّ الكلب، ذلك الكائن الذي نزعم تفوّقنا عليه، ينجح حيث يفشل الإنسان، وهذا ليس مجرّد سخرية عابرة، بل نقضٌ منهجيّ للمبدأ الأنثروبوسنترىّ الذي يضع الإنسان في قمّة الهرم الوجودي، وفي الاتجاه الثاني، يمارس النصّ نقضاً للأنثروبوسنترية من خلال المحاكاة الساخرة للفعل الإنساني، فالراوي لا يصف فعله بجدّية، بل يضعه في إطارٍ هزليّ يخلع عنه أية مكانة حيث يقول: “أحسب خطواتي فوق الصابون كمن يرقص التانغو على الجليد”، وإنّ استعارة الرقص، التي تحيل إلى فنّ راقٍ وثقافة إنسانية راقية، تسقط على فعلٍ بدائيّ هو محاولة التمسّك بالصابون في حمّام زلق، فالتانغو هنا يسخر من نفسه؛ فبدلاً من أن يكون تعبيراً عن الجمال والسيطرة، يصير تعبيراً عن الانهزام والارتباك، وإنّها محاكاة ساخرة تهدم الفصل المزعوم بين الفعل الإنساني النبيل والفعل الحيواني الغريزي، ثمّ تأتي القهقهة العفوية: “حينها وجدت الموضوع مضحكاً ودون إرادة قهقهت بصوت مسموع”، فالقهقهة هي لحظة الوعي بالعبث، وهي اعتراف بخلع الهالة الإنسانية، فالراوي يضحك من نفسه ومن تشبيهه نفسه بالكلاب، وهذا الضحك ليس ضحكة استعلاء، لكنها ضحكة اعتراف بالمساواة، فالإنسان الذي كان يراقب الكلاب من خلف جدار حمّامه، يكتشف فجأة أنّه جزء من المسرحية نفسها، وإنّها (لحظة كامويّة) بامتياز، حيث يدرك الإنسان عبثية سعيه في لحظة واحدة، فيضحك قبل أن يصرخ، والمرأة خارج الحمّام تعزّز هذه النظرة الساخرة بقولها: “تريد عودة أيام المراهقة في هذا السنّ؟”، إنّها تختزل فعل الراوي إلى “نزوة مراهقة”، أي إلى غريزة بيولوجية منفلتة، وحين تصفه بـ”التمثيلية الهرمة”، تسقط كلّ أبعاده الدرامية لتصير مسرحيةً هزليّة لا جمهور لها سوى كلابٍ ورغوة صابون، وبهذا يتفكّك الإطار الجدّي للفعل الإنساني، وينكشف أنّه لا يختلف كثيراً عن مهارشة الكلاب خلف الجدار، فالمرأة بوصفها صوتاً خارجياً، تؤكّد ما يكتشفه الراوي داخلياً: أنّه ليس أكثر من ممثّلٍ في مسرحيةٍ هزلية لا يتابعها أحد، وفي الاتجاه الثالث، في الفلسفة الأنثروبوسنترية الكلاسيكية (من أرسطو إلى ديكارت)، كان الجسد عائقاً أمام الروح أو العقل، وكان تفوّق الإنسان يقوم على قدرته على كبح الجسد وضبطه، لكنّ النصّ “رغوة” يقدّم جسداً إنسانياً في حالة انهيار تام: “أصابعي الضعيفة تغدو فجأة واهية، وقد فقدت مخالبها، وقدماي لاقدرة لها على الثبات”، فالجسد هنا ليس خادماً للعقل، بل خائناً له، فالعقل يريد الوقوف والتقاط الصابونة، لكن الجسد يرفض، يتشظّى إلى أعضاء منفصلة لا تتواصل (أصابع ، قدمان، عمود فقري)، وكأنّ الوحدة الإنسانية التي يدّعيها الفلاسفة مجرّد وهم، وهذا التشظي الجسدي هو مرآة للتشظي الوجودي؛ فالإنسان الذي يفقد السيطرة على جسده يفقد بالتالي سيطرته على هويّته ومكانته في الكون، ثمّة لحظة مهينة حين “انفتحت ساقاي إلى الخارج”، وهذه الوضعية، التي تعكس تأنيثاً للرجل العجوز ونزعاً لآخر معاقل الذكورة الأنثروبوسنترية فالتوازن والسيطرة عند الرجل الذي يدّعي التفوق على الحيوان يسقط منفرج الساقين على أرض حمّام زلقة، أمام صابونة ساكنة تشهد انكساره، وإنّها لحظة تذكير بأنّ الجسد الإنساني، في نهاية المطاف، ليس أكثر من جسد بيولوجي يخضع لقوانين الطبيعة كسائر الأجساد، والعمود الفقري “يطقطق” حين ينحني، وكأنّ العظام نفسها تعترف بالعجز، وهذا الجسد الآلم ليس جسد البطل الكلاسيكي، بل جسد مسخّرٍ للموت والتفكك، وهو بالضبط ما تنفيه الأنثروبوسنترية التي تريد للإنسان أن يكون سيّداً على جسده، فالجسد هنا لا يخضع لإرادة العقل، بل يعلن تمرده واستقلاله، وكأنّه يقول لصاحبه: أنت لست سيّدي، بل أنا من يحدد متى أقف ومتى أسقط، وفي الاتجاه الرابع والأخير، الأنثروبوسنترية تحتاج إلى جمهورٍ يقدّر الفعل الإنساني ويمنحه مكانة، لكنّ النصّ يملأ ذاته بالكائنات غير البشرية أو غير المكترثة فالصابونة تتفرّج من مسافة سنتيمتر واحد، ساكنةً، لامعة، وكأنّها تقول: “ها أنت يا إنسان، أرني قدرتك”، والكلاب تحتفل بظفرها خارج الحمّام، ولا تلتفت إلى دراما الإنسان، والمرأة تتفرّج من غرفة الجلوس، لكنّها ترفض المشاركة وتصف الأمر بـ”النزوات”، والسقف الذي يتصاعد البخار فيه، والنافذة الصغيرة التي يتسلّل الضوء منها فهذه جمبعها فضاءات جامدة تشهد على الانكسار بلا مبالاة، وبهذا يصبح المشهد الإنساني مشهداً مكشوفاً على مرأى من كائنات لا تقدّسه، والمشاهد هنا ماهي إلا مشاهد سخرية وفضح، فالراوي ليس بطلاً في مسرحية تراجيدية، بل ممثّل هزلي في سيرك كوني، حيث المتفرجون (الصابونة، الكلاب، المرأة، الجدران) لا يمنحونه سوى اللامبالاة أو السخرية، وفي النهاية، حين تتوقّف الصابونة، نقرأ جملةً عجيبة: “تُشهد انكساري!!”، فالصابونة هنا لا تنظف، لا تعين، لا تخدم الإنسان؛ إنّها تصير شاهداً عليه، والإنسان يحتاج إلى شاهدٍ ليكون موجوداً؟ نعم، لكنّ الشاهد هنا صابونة، كائن جامد لا روح فيه، وهذا أقصى درجات الإهانة للأنثروبوسنترية: فالإنسان بحاجة إلى اعتراف الصابونة بوجوده، وليس العكس، وإنّها لحظة تفكيكية كبرى، حيث ينعكس دور الفاعل والمفعول به حيث أن الإنسان، الذي كان يسعى للسيطرة على الصابونة، يصير مراقَباً منها، بل ومُعترَفاً به من خلالها، وختاماً، لا يكتفي النصّ “رغوة” بنقض الأنثروبوسنترية عبر المقارنة مع الحيوان، بل يذهب إلى أبعد من ذلك عبر تفكيك الجسد وتشظيه، وإخضاعه للفضح والسخرية، وجعله موضوعاً لفرجةٍ لا تُقدّره، فيخرج الراوي من نصّه ليس بطلاً، ولا مفكّراً، ولا سيّداً للطبيعة، بل كائناً هشّاً يسقط على أربعٍ في حمّامه الخاص، والصابونة شاهدة على انكساره، وفي هذا السقوط، نستعيد سؤالاً قديماً: ما الذي يميّز الإنسان حقّاً إذا كان جسده يخونه، وغريزته تسخر منه، ووعيه يجعله يقهقه قبل أن يصرخ، وتفوقه المزعوم لا يمنعه من أن يلهث خلف شيءٍ لا يقلّ تفاهةً عن عظمة الكلب الذي يلهث خلف غريزة الحياة؟ النصّ إذن، في جوهره، بيانٌ ضدّ الأنثروبوسنترية، لكنّه ليس بياناً خطابياً، بل بياناً درامياً يعرض الهشاشة الإنسانية بكلّ جرأة ومرح، داعياً القارئ إلى إعادة النظر في مركزية الإنسان، ورؤيته ليس كملكٍ للكون، بل ككائنٍ يزحف على رغوة حياته محاولاً التمسّك بصابونةٍ تتهرّب منه، وفي النهاية يجد نفسه يتحدّث مع جمادٍ ساكنٍ لا يردّ عليه، سوى بأن يشهد انكساره ببرودٍ لا حدود له، وفي هذا المشهد الأخير، تتحقّق المفارقة الكبرى: الإنسان يسعى دوماً إلى أن يكون محور الكون، لكنّ الكون (المُمثّل بالصابونة والكلاب والمرأة والجدران) لا يمنحه سوى نظرةٍ ساكنةٍ تقول له: أنت مجرّد كائنٍ بين الكائنات، تسقط كما تسقط الكلاب، وربّما أسوأ منها، وهكذا، ينجح النصّ في تفكيك الأنثروبوسنترية ليس عبر خطاب فلسفي مباشر، بل عبر مشهد درامي بسيط، لكنّه يحمل في طيّاته كلّ أسئلة الوجود الإنساني عن مكانته في هذا الكون، ليجيب عنها بإجابةٍ قاسيةٍ ومضحكةٍ في آن بأن ذلك الإنسان ليس أكثر من كائنٍ يزحف على رغوته، محاولاً تثبيت قدميه في عالمٍ يتهرّب منه، وفي النهاية، لا يشهد انكساره سوى جمادٍ لامعٍ لا يبالي.
القصة ؛
رغوة
يتصاعد البخارٍ في السقف ،على السنة الضوء المتسللة من النافدة الصغيرة في اعلى الحمام ، ها هي… كتلة الصابون مجدداً، تسقط بين قدميّ اللتين تتمسكان بأرضية زلقة من الرغوة.
” واحدة …اثنتان…ثلاثة”
أحسب خطواتي فوق الصابون كمن يرقص التانغو على الجليد. أصابعي الضعيفة تغدو فجأة واهية، وقد فقدت مخالبها ، وقدماي لاقدرة لها على الثبات.
ـ نعومة الأرض تزداد. ـ صوت شهيقٍي يتصاعد كأنّه يصدر من داخل أنبوب معدني صدئ، خارج الحمام لايزال عراك الكلاب من اجل الظفر بأنثى مضطربة تطلب التزاوج مستمرّاً.
: اسمع لهاثا ، نباحا محموماً، اتخيّل تمرّغها في التراب… عنف خارج الحمام يتناغم مع محاولاتي للأمساك بالصابونة الهاربة ،أنا والكلاب في مسرحٍ واحد ؛ هم يطاردون غريزتهم في الهواء الطلق، وأنا أطارد صابونتي في عتمة الضباب ، حينها وجدت الموضوع مضحكاً ودون إرادة قهقهت بصوت مسموع :
” مابك يارجل؟ هل جننت؟ ”
“تعالي ساعديني !!
تتكئ هي على مساند الكرسي في غرفة الجلوس قبل دخولي الحمام :
مرّة اخرى؟
ماذا دهاك يارجل ؟
تريد عودة ايام المراهقة في هذا السن ؟ لن ادخل
لن اشاركك هذه التمثيلية الهرمة!
-اكمل حمامك واخرج فانا لااحتمل نزواتك!
تراوغني الصابونة بذكاء، تنزلق لتستقر في زاوية الحمّام البعيدة عن رشّاش الماء، احاول تثبيت قدميّ وسط الرغوة ، لكن الأرض تعبث معي ، الظهر ينحني، والعمود الفقري يطقطق الألم .
ثمّ انتبهت الى توقّف الكلاب عن المهارشة ، تخيلت احدهم يظفر بها ، يمتطي ظهرها فتمسكه لتسحبه بشكل معكوس ، بينما بقية الكلاب تحتفل به وتتبعه بموكب مثير.
السقف يدور. افقد توازني ، اتشبّث بالأرض
، تنزلق قدماي فتنفتح ساقاي الى الخارج :
-“آآآآآآآآخ !”
صيحة مدوية ، تتوقف الصابونة أخيراً… على بعد سنتيمتر واحد من أنفي، ساكنة، لامعة ، تُشهد انكساري!!
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية