أنثروبولوجيا الرواية/بقلم:وداد حيدر(اليمن)

الأنثروبولوجيا معناها: علم الإنسان, وهي كلمة يونانية.
عندما فشل الغزو الاستعماري للشعوب باستخدام القوة، بسبب ما أبدته من صمود أمام القمع، لجأت الدول الغربية إلى الغزو الفكري والثقافي، الذي وظّفت فيه الأنثروبولوجيا، عبر إرسال مستكشفين، أو بالأصح مستعمرين، إلى الشعوب المراد استعمارها، لدراسة ثقافاتها وعاداتها وتقاليدها، ومعرفة تكوينها الاجتماعي والفكري، واستخدام تلك المعرفة وسيلة للتأثير فيها وإخضاعها فكريا، حتى يصبح الاستعمار حاضرا في وعيها بمحض إرادتها، من خلال الغزو الفكري، كما هو حالنا اليوم؛ نأكل ونشرب ونستورد من الغرب. عموما، ليس هذا موضوعنا، وإنما أردت طرح نبذة موجزة، وسوف نتناول الأنثروبولوجيا في الرواية.
الأنثروبولوجيا في الرواية هي دراسة الشخصية داخل المكان، بوصفها محور الحدث النابض في الرواية. وتتضمن العادات والتقاليد وثقافة المجتمع، من لباس وزواج وتفكير، وأكل وشرب، ورقص وغناء، والفنون بأنواعها، واللباس الموروث ثقافيا، وبهارات المطبخ وطرق الطبخ، ومعيشة الإنسان بشكل كامل، حتى لغته.
ومن الروايات التي اعتمدت على الجانب الإثنولوجي رواية “هذه ليست حكاية عبده سعيد” للروائية نادية الكوكباني.
تطرقت الرواية إلى تاريخ اليمن والحقبة الزمنية التي مرت بها الشخصية من عام 1962 إلى عام 2011، وكيف عاش عبده سعيد في ثلاث مدن أثرت في مسيرة حياته، من خلال عاداتها ونسائها وأزيائها وثقافتها.
كيف وصفت المجتمع الريفي في قريته، وقسوة والده، وشظف العيش فيها، وافتقاده إلى أمه؟ وكيف أثرت فيه عدن من خلال عيشه في منزل السيدة خيزران، ذات الخبرة بفنون الأناقة والحياة المدنية؟ وكيف أثر ذوق خيزران العدنية في تغيير لباس عبده سعيد، من القميص إلى البنطلون والشميز والملابس الداخلية، وكذلك غرفة النوم ووسائدها؟
وكيف عوضته منتهى، فكانت منتهى آماله واحتواء قلبه؟ برز في بيت منتهى الدرع العدني والبخور، والتمازج بين الأديان والمذاهب الإسلامية والهندوسية والشيعية والصوفية.
وكيف غيّر التعليم مسار حياته، حتى نضج فكره بعد أن عمل في الصحافة مع الأستاذ عبدالله، وانخرط في العمل الثوري لتحرير الجنوب، من خلال لصق المنشورات المناهضة للاستعمار البريطاني؟
وبعد أن عرف الاستعمار بأمره، رحل إلى تعز، حيث تعرف على بدور، ابنة صبر، المرأة المكافحة من أجل نفسها وأولادها بعد طلاقها. كانت تنسج الملابس الصبرية المطرزة بالألوان الجميلة، والسراويل المتناسقة معها في ألوانها، والمشاقر التي توضع على خدود النساء، كما وصفت الرواية رقص الرجال مع النساء في الأعراس.
ثم انتقل إلى صنعاء ليسهم في تحريرها خلال حصار السبعين، وتعرّف على نعمة الصنعانية التي أسرت قلبه. وكان كلما تحدث عنها في سياق مشاعر الحب يتكلم بنون الدالة على الفاعلين، تأكيدا لعلاقة الحب، وذوبانه في جسد واحد، و روح واحدة. كما وصف نعمة في لباسها، من الجرز والمصر الطالعي والنازلي.
وفي روايتي “امرأة بلا ظل” تحدثتُ عن بطلة روايتي، الفتاة الريفية نور، التي تحلم بالمدينة وأسواقها، وما فيها من عطور وبخور وملابس وأدوات الزينة. ولكن عندما عرجت إليها، لم تنل من أحلامها إلا الوجع؛ السرقة تحت وطأة الحاجة، والعقل الذي يفكر بتفكير غيره. فالمرأة الريفية التي تفتقد إلى التعليم والسند، يفكر الرجل نيابة عنها.
وكيف عاشت أيام السجن، وافتقدت أولادها، والرجل الذي تخلى عنها عندما ثبتت التهمة عليها. هموم وفقد عاشتهما نور في سجنها؛ دخلت من دون سند، لتخرج امرأة تحظى بسند الأخ والمرأة التي شعرت بألمها.
رواية جسدت وجع المرأة في غياب السند وتخاذله أمام أقرب الناس إليه. لكن نور وجدت الظل الحقيقي في صدقها وعزمها على تخطي العقبات وإيجاد ظلالها بنفسها.

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!