القاصة سحر عبداللاه صالح في أول مجموعة قصصية لها

كتب : كمال محمود علي اليماني

 

القاصة سحر عبداللاه صالح واحدة من قاصات عديدات ظهرت أسماؤهن في عالم القصة القصيرة في العقد الأخير ، وبين يدي نسخة من مجموعتها القصصية ( عفن أسود) ، وهي مجموعة مكونة من 120 صفحة من المقاس المتوسط ، وتضم بين جنباتها 28 قصة قصيرة . وكنت قد انشغلت عن المجموعة الصادرة عام 2024، حتى أني نسيت أمرها ؛ إلى أن وقعت في يدي مرة أخرى وأنا أقلب مكتبتي.
ومنذ العتبة النصية الأولى وأعني بها عنوان المجموعة يستطيع القارىء أن يدرك أن المجموعة تحوي قصصا ذات بعد سلبي معتم ، وأنه لن يصادف قصصا رومانسية أو فرائحية ، فالعفن لفظة ارتبطت بكل ماهو مقرف ومزعج وفاسد ، فكيف إذا كانت المؤلفة قد أمعنت في تصوير بشاعته بأن صبغته باللون الأسود!
ومن العتبة البصرية الأولى أي الغلاف ، نجده وقد لبيس ثوبا أسود من قمة رأسه إلى أخمص قدميه _ إن صح التعبير_. إلى جانب نافذة من النوافذ ذات القضبان الحديدية التي تتميز بها السجون ، وكف فتاة تحمل قصاصة فيها صورة نصفية لفتاة بلا ملامح وهي باللون الأسود أيضا ، وهكذا يحاصر القارىء السواد منذ العتبات الأولى.
القاصة سحر وضعت أمام القارىء هذه القصص التي انطلقت في كتابتها من المدرسة الكلاسيكة الواقعية ، التي تسعى إلى كشف مساوىء المجتمع وتعريتها، فلعلها بهذا ترمي حجرا تحرك المياه الراكدة. وهي حريصة في كل قصصها تقريبا على أن تسلك مسلك كتاب القصة التقليديين من حيث الالتزام بخصائص وعناصر القصة القصيرة ؛ إذ تجدها تنتهج ذاك النهج في الكتابة من مقدمة ووسط وعقدة ونهاية ، وتحرص على أن تحتوي قصصها إلى جانب الحبكة بالطبع ، على زمان فتتعدد أزمان القصة لديها من حيث الزمن المباشر كقولها : يوم السبت ـ الساعة الثانية عشر ليلا، عامان، أو مايدل على الزمن ، مثل قولها : أشعة الشمس ، إشراقة الشمس .. وهكذا . كما تتعدد الأمكنة من أمكنة مغلقة كالغرفة والمنزل ، إلى أماكن واسعة، مثل : قارعة الطريق ، والعالم . وتتنوع الشخصيات فالرجال حاضرون ، والنساء حاضرات ، والمعاق حاضر ، ومدمن المخدرات حاضر ، وإن غلب حضور الشخصيات الشريرة والسيئة .
والقاصة سحر تعتمد في قصصها على الخطاب المسرود بشكل كبير جدا ، وقلما تتجه إلى الخطاب المعروض ( الحوار) .
ولو أننا عرجنا على الحقل الدلالي للمجوعة لوجدنا عناوين ذات صبغة سلبية مثل : اجتياح البراءة ، زهرة ذابلة ، مرآة مزيفة إجهاض ، غرق ، حاوى مرة ، مشنقة من دخان ، دموع حمراء … إلخ، مما يعزز سوداوية المجموعة المنبثق من صنائع المجتمع السيئة.
ولقد وقع اختيار القاصة سحر على عنوان القصة الحادية عشر في المجموعة ليكون عنوانا لمجموعتها ، ولقد أحسنت كثيرا بهذا الاختيار فهو يدل دلالة قاطعة على فحوى وهدف المجموعة .
أما المواضيع التي عالجتها المؤلفة في قصصها فكلها مواضيع تتصل بالجانب الاجتماعي ، والتربوي ، والنفسي . وإن كانت هناك قصتين تدين فيهما القاصة الحرب ومآلاتها على المستوى الشخصي والعائلي.
لقد تطرقت في قصصها إلى الخيانة الزوجية ، وظلم المرأة ، وقسوة الآباء في تعاملهم مع أبنائهم ، وسطوة التقاليد البالية . وتطرقت إلى إدمان المخدرات ، وقسوة الظروف الاقتصادية والغش ، وبيع الضمير، والثار، وزواج الصغيرات ، والعنف ضد المرأة ، وكراهية البنات.
وهكذا نرى أن القاصة قد أبحرت في جوانب متعددة ، وراحت تتناول كل ما عنَّ لها أن تتناوله بالنقد من سلوكيات المجتمع السيئة.
ولأن القاصة تنتمي جنسا إلى عالم الإناث ، فقد كان من المتوقع أن تلامس في قصصها بعضا مما تراه يقع في عالم المرأة ؛ فجاءت تسع قصص في المجموعة تتحدث عن معاناة المرأة في المجتمع ، مماسبق أن أشرت إليه في مواضيع المجموعة.
ولقد كانت القاصة مقنعة في تناولها ، من حيث إدارتها للقصص لاسيما في حبكاتها . ولا أشك مطلقا ، أن القارىء الحصيف سيتنبه إلى تأثر القاصة سحر بالأسلوب التشيخوفي في صياغة خواتيم القصص؛ إذ تعمد في كثير من هذه القصص إلى الخواتيم المفاجئة التي تصوغها القاصة بذكاء دون أن تهيء القارىء للوصول إليها.
لغة الكاتبة كانت بيضاء ، وهي أقرب إلى لغة الصحافة ، بمعنى أنها خلت من الشعرية ، ونُسجت على ذات المنوال التي نسج عليها القاصون التقليديون قصصهم، وإن كانت المجموعة قد حوت بعضا من المقاطع ذات اللغة الجميلة ، ولعل أجملها هو ماجاء في قصة ( نافذة الموت) ، حيث قالت:
رائحة الدم تسيطر على المكان ، وأشلاء متناثرة يمنة ويسرة ، أسراب من الأرواح تطفو هنا وهناك ، الموتى تعج بهم الأرض ، نحيب ألم ، ودموعٌ كالمطر الغزير، ووجوهٌ شاحبة ، وتنهدات ممزقة تصدر عن المدافعين عن تراب الوطن ، منهم من فقد أخاه ، ابن عمه ، والده ، ابنه. )
ولأن هذه المجموعة هي المجموعة الأولى ، بمعنى أن القاصة لازالت في أولى خطواتها التي تحاول من خلالها أن تتلمس موطئاً لقدميها على درب القصة، ونظرا لقلة خبرتها التي لاشك أنها ستتطور لاحقا مع المداومة على القراءة والكتابة ؛ نجدها تنسى نفسها في بعض القصص ، وإن كانت في مراتٍ قليلة جدا، فتتدخل كمؤلفة في وظيفة السارد ، ربما لتفاعلها وتعاطفها الجم مع البطل أوالبطلة ، أو لتوضيح فكرة رأت أنها لم تصل للقارىء، ومن أمثلة ذلك قولها في قصة ( زهرة ذابلة ) :
في الغد كان حديث الجميع بالمدرسة عنها.. الجرائد اليومية تنزل خبرا عنها ( ألقي القبض على طالبة في ثانوية البنات دفع بها أبوها لممارسة الرذيلة عنوة حتى تجلب له الأموال من دون أن تأخذه شفقة أو رحمة بها ، وقد وجدنا آثار تعذيب على جسدها ورغم ذلك حاولت أن تصنع مستقبلا علّه يخرجها من عالمها الأسود رغم معاملته العنيفة لها).
تأرجحت القاصة بين التبئير الداخلي والخارجي فاستخدمت ضمير المتكلم ستة عشر مرة ، واستخدمت ضمير الغائب اثناعشر مرة.
وهي نسبة متقاربة استطاعت القاصة من خلالها أن تصنع جوا قصصيا متناسبا بين التفاعل النفسي والتعاطف مع أبطال القصة ، وبين التفاعل الموضوعي .

ولأن القاصة سحر – كما ذكرت سلفا- كتبت قصصها على نهج الكلاسيكية الواقعية ، فقد تجردت المجموعة من قصص البوح وقصص اللوحات المشهدية ، ولم تلجأ لتقنيات الرسائل أو المذكرات ، كما أن خط السرد لديها كان خطاً مستقيماً على عادة الكتاب التقليديين.
وعلى أية حال فلقد استطاعت القاصة سحر عبداللاه صالح أن تلفت الانتباه إليها كقاصة تمتلك موهبة في القص ، وهي مشروع قاصة ننتظر منها المزيد من الأعمال الناضجة .

تكرمت مجلة امتداد مشكورة بنشره على صفحاتها الرقمية في عدد يونيو

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!