هناك أشخاص لا يغادرون حين يرحلون…
بل يتحولون إلى أشياء.
إلى مقعدٍ فارغٍ في زاوية البيت، إلى كوبٍ لا نملك شجاعة أن نستبدله، إلى أغنيةٍ نغيّرها قبل أن تبدأ لأن أول نغمة منها تعرف كيف تفتح الأبواب المغلقة في القلب.
نحن نظن أن الفقد لحظة واحدة؛ لحظة يختفي فيها وجهٌ من أمام أعيننا، لكن الحقيقة أن بعض الرحيل لا يحدث مرة واحدة… بل يحدث كل يوم.
يرحل حين نمد أيدينا لنشارك خبرًا جميلًا فلا نجد من كان أول من نفرح معه.
يرحل حين نمر بمكانٍ يعرف خطواته أكثر مما يعرف خطواتنا.
يرحل حين نكتشف أن بعض الأشخاص لم يكونوا جزءًا من أيامنا فقط، بل كانوا الطريقة التي كنا نرى بها الأيام.
الأغرب أن الأشياء لا تنسى أصحابها كما نظن…
فالجدران تحفظ الأصوات التي غادرتها، والطرقات تحفظ وقع الأقدام التي توقفت، والقلوب تحفظ أسماءً حاول العقل أن يمحوها.
لهذا لا يكون الموت دائمًا نهاية الحضور، فقد يغيب الإنسان عن أعيننا، لكنه يبدأ حياة أخرى في تفاصيلنا الصغيرة.
ربما نحن لا نودّع الذين نحبهم أبدًا…
نحن فقط نتعلم كيف نحملهم بطريقة لا يراها أحد.
فبعض الأرواح لا تترك خلفها فراغًا…
بل تترك بابًا مفتوحًا بين عالمين؛ كلما مررنا بقربه شعرنا أن هناك من ينادينا من الجهة الأخرى.
ولعل أعظم ما يتركه الإنسان خلفه ليس ما يملكه…
بل الجزء الذي أخذه معه كل من عرفه.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية