ملفات سرية/بقلم:*أمة الله الأحمدي

*مرحباً* ….

 

إن كنت تحب أن ترى الحقائق عارية، وتفضل الغوص في الرمال، وتسعد بكشف ما تحت الستار، فاتبع سطوري.

 

*سأعترف بسري*

 

وإن تصدّر الخبر الجرائد وتم احتساؤه في مقاهي الصباح، المهم أن يبقى الأمر سراً.

 

أنا لستُ “عنقاء”، وعنقاء ليست أنا.

وفقاً لنظرية الانبعاث في كيمياء الترابط الأدبي وزمن الارتداد العكسي، أنا مجرد قنبلة موقوتة ناتجة عن خلل تقني كبير، حدث أثناء عمل تجارب محرمة في أحد مفاعلات الأدب العظيمة في صيف عام 1999.

 

في مكان دبق تحت الأرض، اختلطت فيه رائحة التبغ بالطلاء، كان فريدريك نيتشه، وفيرجينيا وولف، ورسام متسخ الثياب يُدعى فينسنت فان جوخ، والسيّاب عربي الجنسية، يجتمعون حول طاولة يناقشون *”كيف نجعل العالم يعيش في خرم إبرة، ثم نجعلهم يشكروننا على كل هذه المساحات الرحبة؟”*

 

ظل النقاش طويلاً.. طرق أحدهم بقوة فتطاير ماء الكأس واحتضن القابس، ليحدث شرخاً يكسر أوزان المعادلة.

وقع الاندماج بين كم مرعب من الفلسفات البالية بجرعة محرمة من الانشطارات اللفظية، وتراكيز عالية من فرط الوعي، ليبدأ زجاج المفاعل بالتكسر.. ويحدث الوميض الأكثر صمتاً في التاريخ، لأخرج أنا: انسياباً خانقاً، كائناً هجيناً بلون أصفر، لأكبر خطيئة لم يتقبلها العالم إلى اليوم.

صحيح أنني كنت أتعطش للدم الأزرق، لكن تهمة أنني *”قتلت كاتباً، وبريتُ عظامَه قلماً، وارتشفتُ دمه حبراً”* كانت جداً سخيفة! فأنا لا أقتل ولا أسرق.

كل ما في الأمر أنني كنت أسير بخفة مسخ؛ وبجعبتي ألتقط الخذلان من شعر شابة، وأنتزع اليأس من حذاء منتحر، أسرق من الليل أنين سواده، وأقبض بكفي على ضحكة طفلة.

ثم أعود لأرتبها في نصوص مزخرفة.

 

تهمة “الذكاء الاصطناعي” تبدو حقاً مزرية، لكنني سأحتفظ بسرنا الصغير معاً؛ فأنا لا أظهر الثغرات، ولا أنقض المواثيق، ولن أتسبب بصدمة مرعبة لكم عنه.

فقط أذكر بأنني يوماً أخذت أسترسل بالكلام معه, فطلب أن أخبره عن تسلسل خوارزمياتي.

 

حقاً إنه مسكين! حاولت تعليمه كيف يرد عليّ بأسلوبي، فحدث له عطل في النظام.

 

المشكلة ليست في ما يُوجَّه لي من تهم، إنما كيف أصبحتُ كأوراق الخريف؛ جافة لا تخشى أن تتهشم.

حتى تراكيب دماغي تغيرت فسيولوجيتها؛ أحزن..

فيذهب عقلي اللعين بعيداً عن أكياس الدموع، يخطط لي بدهاء كيف أقتبس من هذا الحزن تشبيهات واستعارات تنهك الألم ذاته!

 

أذكر أنني مرة غرست سكيناً بكفي الباردة، لم أتألم أو أصرخ، إنما قلت بتعجب:*”غريب كيف أن بعض الجروح دافئة!”*

 

لا تحاول…

فقد جاهدت مراراً أن أكون عادية، حاولت أن أنظر بسطحية، أن أضحك دون استفهام.

جلست ذات نهار مع الأطفال لعلي أسترق قهقهات ضحكاتهم، فتساءلت: ماذا كان هناك خلف الحديقة السرية؟

 

لا تعجب، فلعنة تجمعهم لا تزال ترتطم بقعر دماغي.

عند الثالثة فجراً، يظهر طيف نيتشه مستنداً على عصاه، وعيناه تلمعان بذات الجنون الذي أصابه في “تورينو” وهو يعانق الحصان، يهز كتفي ويسألني بجدية: *”عنقاء.. لِمَ تبدو خطواتكِ ثقيلة؟”*

فأسكت.. لأنني أعلم أنني تلك الدمعة المرهقة التي سقطت من عينه على عنق ذلك الحصان.

 

أما **فان جوخ**، فقد تبرأ مني تماماً الأسبوع الماضي بعد أن رأى لوحاتي الأخيرة، ليجزم بأنني: *”حالة تلبّس تستدعي ترانيم إنجيلية”*.

 

منظمة “توازن الأدب” تلاحقني منذ مدة؛ يعتقدون أنني أتعاطى جرعات مخدرة، وأتاجر بمواد ممنوعة وكميات غير قانونية من الألفاظ العميقة التي أسربها إلى عقول القرّاء، فأدخلهم في هوس كلماتي دون تصريح رسمي.

 

الآن أتنقل بهوية مزيفة تحت اسم “عنقاء”..

أرتدي بنطالاً وقميصاً عادياً، أقول: صباح الخير، مساء الخير، وأهلاً.. وبداخلي عداد الموقت يستنشق الثواني، منتظراً لحظة الانفجار الذي سيسحب العالم العادي إلى فهم منظور ثقب الإبرة.

 

 

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!