صدر حديثًا، في طبعة إلكترونية، للكاتب الأردني الدكتور حسين جداونه مجموعة قصصية بعنوان “نافذة” ـ قصص قصيرة جدا. تقع المجموعة في مئة وثلاثين صفحة من القطع المتوسط، وتضم نحو مئة نص. يصدر الكتاب ضمن مشروع الكاتب الإبداعي المتواصل في حقل الأدب الوجيز: القصة القصيرة جدا، الذي شكّل على امتداد تجاربه المتعددة ميدانًا لاختبار طاقات هذا الفن الجمالية والفكرية في تكثيف المعنى، وإعادة بناء العالم السردي بأقلّ عدد ممكن من الكلمات. وتمثل هذه المجموعة الإصدار التاسع عشر ضمن منجز الكاتب الإبداعي، بما يؤكد سعيه الدؤوب إلى ترسيخ تجربته في هذا الفن الحديث ومراكمته لوعيٍ سردي خاصّ به.
تتشكّل قصص “نافذة” من مشاهد ولوحات سردية مكثّفة، تستقصي تفاصيل الحياة اليومية، وتحوّل الجزئي إلى كليّ، والعابر إلى دالّ، عبر رؤية فنية تأملية توحِّد بين النصوص على الرغم من تنوع موضوعاتها. فالنافذة، بما تنطوي عليه من دلالات الرؤية والانفتاح والاكتشاف، ليست مجرّد منفذٍ على الخارج، وإنما هي كذلك إطلالة على الداخل الإنساني، حيث تتقاطع الذات مع العالم، ويتحوّل المنظور البصري إلى أفق وجودي وفلسفي في آنٍ معًا.
تنفتح نصوص المجموعة على طيف واسع من القضايا الإنسانية والمعيشية والمصيرية؛ فهي تتناول البعد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في حياة الإنسان المعاصر، كما تغوص في أعماقه النفسية والروحية، كاشفةً عن توتّراته واغترابه وتوقه الدائم إلى الانعتاق والتحرّر. وتستحضر القصص في ثناياها صور الإنسان ــ رجلاً كان أم امرأة ــ في صراعاته الداخلية والخارجية، في مواجهة الخذلان والأمل، والغدر والوفاء، والقهر والمقاومة، والحلم والكابوس، وفي محاولاته المستمرة لإعادة تعريف مفاهيم العدالة والظلم، والحرب والسلام، والحياة والموت.
تعتمد المجموعة أسلوبًا قصصيًّا وفنيًّا يجسّد جوهر “القصة القصيرة جدا”، من خلال التكثيف المهيمن على جميع عناصر العمل، والمفارقة، والدهشة، والاقتصاد، مع احتفاظ الكاتب بمرونة فنية تمنحه حرّية التجريب خارج القوالب الجامدة لهذا الشكل السردي الحديث. فالنصوص هنا لا تبحث عن الحكاية المكتملة بقدر ما تنصت إلى اللحظة المكثفة، وإلى الأثر الذي يتركه اللمح الخاطف في الوعي. واحتوت المجموعة على ثلاثيات قصصية تشكل كل منها رؤية خاصة بها ضمن الرؤية العامة للمجموعة.
بنيت أبواب المجموعة وفق درجات متحوّلة من الوعي، وليس وفق موضوعات متجاورة مستقلة. فالنصوص هنا نوافذ تتبدّل فيها علاقة الذات بالعالم. فقد تحركت أبواب هذه المجموعة عبر تدرّج شعوري خفي؛ يبدأ بنوافذ مواربة، تليها نوافذ عابرة، ونوافذ موصدة، وأخرى عاكسة، ثمّ نوافذ عالية، وأخيرًا ما وراء النافذة.
بهذه الأبواب فإنّ المجموعة تبني تجربة قراءة متدرجة، وتحوّل القارئ من مراقِب إلى مراقَب. ليكتشف القارئ تدريجيًّا أنّه يقف أمام نوافذ انعكاسه هو، وليس أمام شيء آخر. وتتبدّى المجموعة بوصفها مختبرًا جماليًّا وفكريًّا يعيد من خلاله الكاتب اكتشاف العالم، والعلاقة الملتبسة والهشة بين الرؤية والمرئي، وبين الذات وظلالها، وبين الإنسان وكونه أحد عناصر سردية الحياة ذاتها.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية