مزرعة الحيوان… حين تلد الثورة استبدادًا جديدًا/بقلم: نوال عايد الفاعوري ( الأردن )

تعد رواية “مزرعة الحيوان” (Animal Farm) للكاتب البريطاني جورج أورويل واحدة من أهم الروايات الرمزية في الأدب العالمي
ليس لأنها تحكي قصة حيوانات تتمرد على صاحب المزرعة فحسب
بل لأنها تكشف ببراعة كيف يمكن للأحلام الكبيرة أن تتحول إلى كوابيس عندما تقع السلطة في أيدي من يسعون إليها من أجل أنفسهم
تلك الرواية التي لم تكن يومًا مجرد حكاية عن حيوانات تعيش في مزرعة
بل كانت مرآة ساخرة للطبيعة البشرية حين تلامس السلطة
تبدأ الحكاية بثورة تقودها الحيوانات ضد صاحب المزرعة الظالم
يطردونه ويعلنون ميلاد عصر جديد يقوم على مبادئ تبدو في غاية النبل: لا سيد بعد اليوم ، لا قمع ، لا استغلال ، ولا سياط فوق الظهور.
الجميع متساوون والجميع شركاء في الحلم
لكن هذا الحلم لم يدم طويلًا إذ سرعان ما بدأت مجموعة من الخنازير بقيادة نابليون باحتكار السلطة
ثم أعادت إنتاج النظام نفسه الذي ثارت عليه ولكن بأسماء وشعارات جديدة
فالخنازير التي قادت التمرد اصبحت أكثر تنظيما ثم أكثر قربا من السلطة ثم أكثر قدرة على تفسير الشعارات وفق مصالحها حتى تصل إلى تعديلها بالكامل فتولد العبارة الأشهر في الرواية:
«كل الحيوانات متساوية لكن بعضها أكثر مساواة من غيرها.»
وهي عبارة تكشف المفارقة التي يقع فيها كثير من الأنظمة
إذ تبدأ بشعارات المساواة والحرية ثم تنتهي إلى صناعة طبقة جديدة تتمتع بالامتيازات نفسها التي كانت ترفضها
كما تبرز الرواية دور الدعاية والتلاعب بالحقائق في تشكيل وعي الجماهير
فكلما ازداد فشل القادة
ازداد تزييفهم للواقع
حتى أصبح الكذب حقيقة رسمية
وأصبح التاريخ يعاد كتابته بما يخدم أصحاب السلطة
وهنا يلفت أورويل الانتباه إلى أن السيطرة على العقول قد تكون أخطر من السيطرة على الأرض
وهنا تنكشف الحقيقة المؤلمة
هكذا تبدأ معظم الثورات ببريق العدالة وبأمل يشبه الفجر بعد ليل طويل من الظلم
لذلك نصدقها بسهولة
لأننا نكون قد أرهقنا من القهر
وأصبحنا مستعدين للإيمان بأي وعد يحمل رائحة الحرية
لكن شيئًا فشيئًا تبدأ الثورة في تبديل جلدها.
تكمن عبقرية أورويل في أنه لم يكتب رواية عن الحيوانات
بل عن الإنسان عندما يصل إلى السلطة وهو يحمل في داخله ذاكرة الضحية ورغبة الجلاد في آن واحد
عن أولئك الذين لا يكرهون الظلم لأنه ظلم بل لأنهم لم يكونوا هم من يمارسه
وعن الثورات التي تبدأ باسم الفقراء والمظلومين
ثم تنتهي إلى صناعة طبقة جديدة من أصحاب الامتيازات
وتحكي أيضا عن الشعارات التي تبقى معلقة على الجدران بينما يتغير معناها في الخفاء
فكل شخصية تمثل نموذجا سياسيا أو اجتماعيا
وكل حدث يعكس مرحلة من مراحل تحول السلطة من وسيلة لتحقيق العدالة إلى غاية بحد ذاتها
لذلك لم تكن الرواية مجرد نقد لحقبة تاريخية معينة بل تحذيرا دائما من فساد السلطة حين تغيب الرقابة ويصمت الناس
لقد رأينا في واقعنا من يرفع راية الحرية حتى يصل إلى الحكم ثم يكتشف أن الحرية جميلة ما دام خارج السلطة
أما داخلها فهي في نظره فوضى يجب ضبطها
ورأينا من أعلن الحرب على الفساد
ثم أعاد إنتاجه بأسماء جديدة
ومن بكى على الشعب وهو في المعارضة ثم طلب من الشعب الصبر والصمت عندما أصبح في موقع القرار بحجة أنه لا يفهم “حساسية المرحلة”
إن أخطر ما في الاستبداد ليس وجهه القديم بل قدرته الدائمة على العودة في هيئة جديدة وبخطاب جديد
فمرة يرتدي ثوب الثورة
ومرة يتحدث باسم الدين
ومرة باسم الوطن
وأخرى باسم الفقراء أو الأمن أو المصلحة العامة
لكن النتيجة تظل واحدة: هناك دائما من يجلس فوق الطاولة وهناك من يواصل جر العربة
كان جورج أورويل يدرك أن المشكلة الحقيقية ليست في تغيير الحاكم بل في تغيير مفهوم الحكم ذاته
فإذا رحل السيد وبقيت عقلية السيد فلن يتغير سوى اسم المزرعة ولافتتها
أما السوط فسيظل معلقا في مكانه
وربما يصبح أشد قسوة لأنه هذه المرة يحمل شرعية الثورة نفسها
ولهذا فإن أول ما تسرقه السلطة الجديدة من الناس ليس خبزهم بل ذاكرتهم ثم لغتهم
تجعلهم ينسون لماذا ثاروا أصلًا ثم تعيد تعريف الكلمات أمامهم حتى يصبح الاعتراض خيانة
والتعب تضحية
والجوع صبرا وطنيا
وكل تجربة سياسية أو اجتماعية تستحق أن تُسأل السؤال الأصعب:
ماذا حدث بعد النشيد الأول؟ بعد الهتاف الأول؟ وبعد أن سقطت الصورة القديمة؟
العبرة ليست في أن نثور على الظلم بل في ألا نحول من قاد الثورة إلى كائن فوق المساءلة فالمشكلة ليست في الحلم وإنما في تسليم الحلم كله إلى طبقة تقول لنا: “ناموا… ونحن سنحرس أحلامكم.”
لأن الأحلام التي لا يحرسها أصحابها
تتحول سريعا إلى مزرعة جديدة
لها نشيد جديد
وسادة جدد
وجلاد جديد
وبيان طويل يشرح للناس بكل ثقة لماذا لم تعد كل الحيوانات متساوية
رغم أن الرواية كتبت عام 1945 فإنها ما تزال تحتفظ براهنيتها
فالقارئ يجد فيها انعكاسا لوقائع تتكرر في مجتمعات مختلفة حيث تتحول الثورات أحيانا إلى أنظمة أكثر قسوة وتصبح الشعارات الجميلة ستارا لممارسات تناقضها تماما
إن “مزرعة الحيوان” ليست رواية سياسية فحسب بل درس إنساني عميق في طبيعة السلطة وفي هشاشة المبادئ عندما تُغري المصالح أصحابها.
وهي تذكرنا بأن الحرية لا تصان بمجرد إسقاط الطغيان بل بالحفاظ على العدالة والشفافية والمساءلة حتى لا يصبح الثائر طاغية جديد ولا تتحول الثورة إلى نسخة أخرى مما قامت ضده
ولعل هذا هو السر في خلود هذه الرواية فهي لا تتحدث عن زمان أو مكان بعينه بل عن الإنسان حين ينسى أن السلطة أمانة لا امتياز وأن العدالة ليست شعارا يرفع
بل ممارسة تصان كل يوم.

“‏وكل ثورة وأنتم بخير!”

 

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!