أنا .. في ذمة الله/ بقلم:كمال محمود علي اليماني

كان اليوم مرهقا .. وكان حارا .. اتجهت إلى الحمام ووقفت تحت الماء لدقائق.. بعد أن غيرت ملابسي وتناولت غدائي ، اتجهت مباشرة إلى السرير للقيلولة. وأنا في غمرة النوم زارني ملك الموت . استل روحي من جسدي . حدثت ضجة في البيت إثر علم أهلي بموتي . كان البكاء سيد الموقف. انهالت الدموع وتوالت النهنهات. تداعى الجيران والأهل والأصدقاء. دخلوا عليّ وأنا جسد مسجى فوق السرير ، وطبع بعضهم قبلات عل جبيني ، واكتفى بعضهم بوضع كفه ، وكان كل واحد فيهم يتمتم بالدعاء.
حضر المغسّل ، وعاونه إخوتي. راح يغسلني الغسلة الأخيرة. صب الماء على جسدي ، لا أدري إن كان الماء حينها باردا أم دافئا ، وكيف أدري وأنا ميتّ؟. ظل يدعك جلدي وينظفني كأنه يطهرني من الذنوب. كانت الروائح الزكية، التي عهدتها قديما مع آخرين، تفوح في الغرفة ، لكنني لم أكن أشمها. بعد أن كفنني ، ترك وجهي مكشوفا ليودعني ، ويلقي عليّ النظرة الآخيرة كل من تسنى له ذلك.
وضعوني في الجنازة ، وحملوني إلى المسجد.
تساءل البعض : جنازة من هذه ؟ لاحول ولاقوة إلا بالله .. كان رجلا… وراحوا يعددون مناقبي.
صلوا عليّ ، ثم حملوا جنازتي على أكتافهم وأسرعوا بها إلى المقبرة.
أنزلوا جسدي البارد ، ووسدوني ذراعي اليمني في اللحد باتجاه القبلة.
أهالوا علي التراب ، ثم غادروا المقبرة، على وجوه بعضهم ارتسمت آمارات الحزن ، وعلى وجوه آخرين لم يرتسم شيء.
تركوني هناك وحدي ، وخلّفت معهم كثيرا من الأمنيات والرغائب.
فكر البعض بإقامة حفل تأبين لي ، وبدأوا إجراءت الحفل ، وفي ذات الوقت كان دود الأرض يقيم حفلا ترحيبيا بي ، وكان جسدي هو الوليمة.

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!