عباس الويس
حين تصبح رقعة الشطرنج مرآة للسلطة
لا تبدو لعبة الشطرنج مجرد وسيلة في رواية سالم الزيدي القصيرة جدًا مجرد وسيلة للتسلية أو إختبار للقدرة على التخطيط، بل تتحول إلى نموذج مصغر لعلاقات القوة حيث تتجاوز المهارة مع العجز وتتصادم الثقة بالنفس مع القدرة الفعلية على إدارة الصراع.
ومن هذه المفارقة يفتح سالم الزيدي نافذة على معنى يتجاوز حدود اللعبة إلى فضاء السياسة والسلطة .
تقوم المفارقة الأولى على التباين بين حكيم وعناد فالأول يعتمد على تقديره لذاته ويخوض اللعبة وفق مايراه من قدرات، بينما يمتلك الثاني مهارة أعلى في قراءة حركات الخصم وتنفيذ خططه.. ولا تقتصر أهمية هذا التباين على تحديد الفائز بل تكمن في كشف المسافة بين مايعتقده الإنسان عن نفسه وما يستطيع إنجازه في الواقع .
هنا تكتسب اللعبة بُعدًا نفسيًا ، إذ يصبح الإخفاق امتحانًا للوعي بالذات لا مجرد خسارة عابرة .
غير أن النص يتجاوز هذا المستوى حين ينتقل من رقعة الشطرنج إلى المشهد السياسي ، فحضور الوزير واستدعاء الحكومة والحديث عن الهروب والانتحار المبكر في سياق ساخر ينقل اللعبة من مجالها المحدود إلى مجال أوسع تتداخل فيه السلطة بالمسؤولية والقرار السياسي بالمصير العام وتبدو عبارة صاحب المقهى( لأنه شعر بالإهانة كونه لا يمارس دوره في الحكومة ) ص 13 مفتاحًا دلاليًا مهمًا ، إذ تكشف عن مفارقة بين أمتلاك الموقع وممارسة الدور، وبين الشعور بالكرامة الشخصية والقدرة على تحمل المسؤولية.
ومن الناحية الفنية يعتمد الزيدي على الحوار المكثف والمفارقة الساخرة بدلًا من الاستطراد والوصف المطول.. وهذا الإختيار ينسجم مع طبيعة الرواية القصيرة جدًا التي تحتاج إلى اقتصاد لغوي يجعل كل جملة تؤدي وظيفة في بناء الحدث او توسيع دلالاته، كما أن الحوار يمنح الشخصيات فرصة للكشف عن عن تصوراتها من دون تدخل تفسيري مباشر من الراوي ويتيح للقارىء أن يستنتج ما وراء الكلمات.
لكن هذا الاقتصاد السردي يضع الكاتب أمام تحدًّ دقيق : كيف يستطيع الكاتب على التوازن بين وضوح الرمز وعمق الدلالة؟ فحين تتحول الشخصيات إلى ممثلين لأفكار سياسية محددة قد تتراجع استقلاليتها الإنسانية لمصلحة الرسالة التي يحملها النص .. لذلك فإن نجاح هذا النوع من الكتابة لا يُقاس بوضوح الفكرة وحدها ، بل بقدرة الكاتب على جعل الفكرة تنبثق من الحدث والشخصية والمفارقة لا أن تحل محلها .
أما عنوان (( رؤى )) فإنه يفتح أفقًا تأويليًا يتصل بعدد زوايا النظر إلى الواقع، وبالفارق بين رؤية الأشياء كما نرغب رؤيتها كما تكتشفها التجربة .. غير أن الحكم على مدى اشتغال العنوان داخل البناء الكلي تبقى معرفته مرهونة بوعي القارىء إذا ما كانت الرؤى تتعدد فعلًا عبر الشخصيات والأحداث أم كان النص يتجه إلى رؤية مركزية.
خلاصة القول تكشف الرواية عن محاولة سردية لتوظيف لعبة الشطرنج بوصفها استعارةً لعلاقات القوة وما رافقتها من أحداث وتوظيف السخرية لكشف التناقض بين الموقع والمسؤولية.
وتكمن القيمة لهذه الروايه قدرتها على الجمع بين قِصرها واتساع دلالاتها من خلال تكامل المفارقة السياسية مع البناء الفني للشخصيات والحدث .
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية