من أخطر مفاصل الحياة أن يعجز الإنسان عن نيل حقه، وأن يرى من ظلمه يفلت من المساءلة، بينما يظل هو أسير القهر والخسارة. عندها قد يتحول الألم في داخله إلى رغبة في الانتقام، بحثا عن عدالة لم يجد إليها سبيلا، ودفاعا عن حق يؤمن به، حتى وإن عجز عن إثباته أمام القضاء. وليس من السهل أن نحكم على كل حالة بمعزل عن ظروفها، لكن المؤكد أن الظلم حين يغيب عنه الإنصاف يترك في النفس جرحا قد لا تداويه السنوات.
غير أن السؤال الأهم ليس ما الذي يفعله المظلوم حين يعجز عن استرداد حقه، بل ما الذي يدفع إنسانا إلى ظلم غيره، والتسبب في عذابه ودماره، ثم المضي في حياته متوهما أنه لم يرتكب خطأ؟
هنا تبرز آفة الحسد، ذلك الشعور بالنقص أمام ما يمتلكه الآخر، مع اعتقاد الحاسد أنه أحق به منه. وقد يبلغ الحسد حدا لا يطيق فيه صاحبه حتى كلمة حق ينطق بها غيره، أو حكمة وهبها الله له، أو رأيا سديدا يميزه. وحين يستحكم هذا الشعور، يتحول إلى حقد، ثم إلى سعي لإسقاط المحسود، ولو كان الثمن إيذاءه وتحطيم حياته.
وقد جسد القرآن الكريم هذه الحقيقة في موقف إبليس حين قال: “أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين”، فكان الاستعلاء بداية العصيان. ثم تجلت المأساة في قصة ابني آدم، حين دفعت نفس أحدهما صاحبها إلى قتل أخيه حسدا، بعدما تقبل الله قربان أحدهما ولم يتقبل من الآخر. يقول تعالى: “فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين”.
وهنا يفرض السؤال نفسه: هل أزال القتل شعور النقص؟ وهل أصبح القاتل أفضل حالا بعدما سلب أخاه حياته؟ لقد جاء الجواب القرآني واضحا: “فأصبح من الخاسرين”. خسر أخاه، وخسر نفسه، وسجل على تاريخه جريمة لم تمنحه ما أراد، بل كشفت حقيقة ما استقر في داخله.
ومن هنا، أوجه السؤال إلى كل من تسبب في قهر إنسان أو تدمير حياته، وكل من حرض عليه، أو شوه صورته، أو استغل الآخرين لتنفيذ مآربه، ثم احتمى خلف أقنعة الطهر والبراءة: هل حققت ما أردت؟ هل زال شعورك بالنقص؟ وهل أصبحت أكبر في عين نفسك بعدما جعلت إنسانا آخر يدفع ثمن ما يعتمل في داخلك؟
توقف مع نفسك، ولا تجعل المبررات ستارا يحجب عنك الحقيقة. فقد لا تنكشف كل الوقائع أمام الناس، وقد يعجز المظلوم عن تقديم الدليل، لكن غياب الدليل عن القضاء لا يحول الظلم إلى عدل، ولا يمنح الظالم براءة أخلاقية.
وعلى الحاسد أن يدرك أن من يؤذيه قد يكون إنسانا طيبا، لكنه حين يستنفد سبل الإنصاف قد يتحول ألمه إلى رغبة في استرداد حقه بأي وسيلة. وليس في ذلك دعوة إلى الانتقام، بل تحذير من العواقب التي يصنعها الظلم حين يترك بلا إنصاف، ومن النار التي يشعلها الظالم بيده ثم يتوهم أنه بمنأى عن لهيبها.
تذكروا جيدا: قد تنجح في كسر إنسان، وقد تحرمه حقه، وقد تطيل عليه طريق العذاب والقهر، لكنك لن تستطيع أن تجعل ظلمك حقا اصيلا لك، ولا أن تجعل خسارته انتصارا لك. فالحسد لا يرفع صاحبه، والظلم لا يصنع مجدا، ومن يهدم حياة غيره ليشعر بأنه أكبر، لا يفعل سوى أن يكشف كم هو صغير. وحتما التمادي في الظلم يصنع مُنتقما شرسا في يوم ما .
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية