ليلى … وحكاية الألف ليلة (الجزء الثاني عشر)

 بقلم: الأديب عبدالباري المالكي( العراق )
استيقظت ذات صباح وأنا في السكن الخاص بمهندسي الشركة النفطية في البصرة ،  فلم اجدني قادراً على النهوض كباقي الأيام ، كنت ثقيلاً جداً ، ورجلاي تسمّرتا ، حرارتي مرتفعة جداً ،
صحت بأعلى صوتي :- ليث أنجدني .
قال ليث :- مابك ياصديقي  ؟
قلت :- لا أدري ، لكني لا أشعر أني بخير  .
ركض ليث الى المشفى الخاص بالشركة بسرعة  ، وطلب من الطبيب المجيء معه الى سكني ليجري  فحصاً كاملاً لي حسب قواعد الشركة وأنظمتها ، بعد دقائق فحصني الطبيب ووجد حرارتي مرتفعة جدا ، ونحولاً في جسمي لم أعهده سابقاً ، رجلاي لا تكاد تحملانني .
بعد الفحص  شكّ  الطبيب بحالتي في  اني أغلب الظن  مصاب بمرض الكورونا ، وعلى أثرها قرر طبيب الشركة  منحي إجازة طويلة  الى حين شفائي من هذا الوباء المعدي الخطير  كي لا ينتشر بين العاملين في هذه الشركة .
و ( كورونا) هو وباء عالمي خطير ، يصيب جهاز التنفس في الإنسان ويرفع درجة حرارته كثيراً وبسرعة فيقتله بعد يوم او شهر ، فالعلم عند الله وحده في ذاك ، ولذلك فقد نصح المختصون رغم عدم معرفتهم للعلاج الناجع لهذا الداء الخطير ان على الجميع لبس الكمامة على الفم والأنف ، ويجب ان تكون المسافة بين كل شخص وآخر لاتقل عن متر واحد ، وقد  أصاب هذا الوباء  الملايين من الناس ،  وقتل مئات الآلاف على اختلاف أعمارهم خلال عام ونصف فقط ، فهناك من ثبت قبالته ، فعاش ، وهناك من انهزم أمامه ،  فمات ، ولا فرق بين رجل وامرأة ، وبين مسنّ وطفل ، فلا أحد يعلم من سيحيا أو من سيموت سوى الله تعالى ، حتى إن أصوات الأطباء علت :- ( إن حلول الأرض قد انتهت ، ولم تبقَ سوى حلول السماء ) .
ولأجل ذلك فقد ارتفعت الأصوات ، وصرخت الأمهات ، وضجّ  الناس بالبكاء ، وهرب القريب عن قريبه ، والابن عن ابيه  ، والأخ عن أخيه ، والزوج عن زوجته .
وعلى إثر ذلك توقفت الصلوات الجماعة في كل أنحاء العالم
خشية الاختلاط في الصلاة ، وتوقفت المسارح ودور الأفلام ،
وتعطلت الأسواق وأغلقت المطاعم ومحال البيع والحلاقة الى غير ذلك ، وفرغت الشوارع ، وفرضَ حظر التجوال في جميع أنحاء العالم من البشر والسيارات ، وخسرت الشركات  والدول أموالاً طائلة ، فالدولة تعين مواطنيها بالأطعمة الجاهزة في كل يوم توصلها الى بيوتاتهم ، والكل يعيش بخوف ورهبة إلا في العراق .
فالشوارع مزدحمة  ، والأسواق مازالت مكتظة ، والمطاعم مفتوحة ، والدولة نائمة في سبات ، لاتعي خطورة هذا الوباء ، ولاتريد ان تعيَه .
والحق يقال … أن الناس مجبرون على فتح أسواقهم ومحال بيع موادهم لأنهم كسبة بسطاء ، لايملكون قوت يومهم الا بهذا القليل من البيع ، ومسؤولوا الدولة يحرسون أموالهم الطائلة الشخصية دون ان يهتموا إطلاقاً بصحة البشر .
من هنا كانت المأساة علينا — نحن العراقيين — أضعافاً مضاعفة عما هي عليه في دول العالم ، فلا مستشفيات تفي لحجر المصابين وعلاجهم ، ولا أدوية متوفرة بما يناسب حجمَ الكارثة التي نعيشها والأعدادَ المتزايدة في كل يوم بالآلاف ، حتى أصبح الموت زائراً طبيعياً لكل بيت .
غادرتُ مكان عملي في البصرة الى بغداد للعلاج والراحة ، وكان قد رافقني صديقي ليث في هذه الرحلة ، ووصلنا الى البيت ،  رآني والداي  وانا على هذه الحالة المزرية المبكية فصاحت أمي :- مابك يابني ؟
قال ليث :- يقول الطبيب أنه مصاب بداء الكورونا .
وضعت كفها على جبهتي وصرخت :- ياالله الحمى عالية جداً .
اسرع أبي بتشغيل سيارته ووضعني فيها وأمي تبكي وتصرخ . سارت السيارة بأسرع مايمكن لكنها مازالت بطيئة فالشوارع مزدحمة جدا ،  ووسائط النقل جميعها تسير  عكس  مسار السيارات و حسب الأمزجة لدى قائديها  ، أضف الى الشوارع الغير معبدة بشكل جيد ، بل هي أسوأ مايمكن ان تكون ، حيث الشوارع مدمرة ، والأرصفة محطمة ، والإشارات المرورية معدومة ، والشرطة بعيدون كل البعد ، غير قادرين على توظيف قدراتهم بالشكل الصحيح ، فكل مايجري هو سيء الى ما لا يتصوره عقل ولا قلب .
بعد أكثر من ساعة وصلنا الى المشفى الذي لايبعد عن دارنا سوى عشر دقائق ، دخل ليث للبحث عن سرير متحرك ( سدية ) ليأخذني من السيارة الى داخل المشفى ، وقد وجدها بعد عناء .
نقلوني الى الطوارئ  ، لم يكن ثمة طبيب مختص هناك ، فكل الأطباء جدد غير قادرين على الفحص بشكل جيد ، كان ابي وصديقي ليث يسرعان الى هذا الطبيب وذاك  ، يتوسلان إليهم للاطلاع على حالتي ، لكنهم كانوا يتحجّجون بأمور أخرى ، صرخت أمي بهم ولم يبالِ أحد بذلك .
بعد التي واللتيّا جاء أحد الأطباء الجدد وهو يفحصني بعينيه لا أكثر ، خاطب أبي :-   مادامت حرارة ابنك مرتفعة فلابد أنها كورونا ، خذوا له( مسحة) لمعرفة هل هو مصاب بمرض كورونا أو  لا.
و( المسحة ) في زمن الكورونا تعني وضع عود برأسه قطن في أنف المريض أو فمه ، ليعرفوا بعد ذلك هل هو مصاب بهذا الداء ام لا.
أخذ أحدهم  ( المسحة) لي عن طريق الأنف ، وقال انتظروا غداً كي تظهر النتيجة ، لكن حالتي مازالت تزداد سوءاً ، فحرارتي بارتفاع ، وهناك ألم برأسي يكاد يفجّرني ، وأنا أتأوّه مرات ، وأصرخ مرات ، ولا معين الا الله .
بعد أن أحس أبي باليأس من المشفى ، أعادني الى دارنا أملاً في أن يأخذني الى طبيب أهليّ وليس حكومياً . لأنه لا مشفى يحتويني ، ولا سرير يضمني هناك ، فقد رأى أبي أن من الأفضل العودة الى الدار ، والعناية بي من خلالهم ، وحجري في غرفة لايقربني فيها أحد .
عصراً كنت بين يدي الطبيب الذي طلب مني تحاليل دمٍ وأشعة للصدر .
ركض أبي وهو يلهث لهاثاً لم أره من قبل على تلك الحالة الى أشعة الصدر ، والى تحليل الدم .
بعد نصف ساعة وضع ابي تلك التحاليل بين يدي الطبيب الذي أخبره أنه لايعرف سبباً آخر لحالتي  الا أن أكون مصاباً بالكورونا  ، فالأعراض مشابهة لذلك المرض  رغم عدم اصابة رئتيّ بأي التهاب ، كتب لنا ورقة ذكر فيها أدوية عديدة .
عدنا الى البيت بعد ان اشترى أبي كل الدواء ، ومع انني كنتُ أظنني  مصاباً  بمرض الكورونا المميت ، لكني لم آبه بنفسي ، بل كان جلّ اهتمامي بليلى .
كانت تدور في خلدي أسئلة عدة …
:- هل سأموت دون أن أرى ليلى ، دون ان اسمع صوت ليلى ، دون ان تدري ليلى بما حدث لي ؟
كانت هناك أسئلة عديدة لا حصر لها عندي كما لاجواب .
عند الليل بدأت الحمى تزداد والألم يقوى علي ، ولم اعد قادراً على التحمل ، لكن همي الأكبر هو رؤية ليلى .
كان أصدقائي قد علموا بحالتي وبدأت هواتفهم ترنّ على والدي للسؤال عني ، وأنا لا آبه الى أحد من أصدقائي بمثل ما أهتم وأنتظر اتصالاً أو رسالة ولو صغيرة  من ليلى للسؤال عني .
قلت في نفسي :- أي جرمٍ أجرمته بحقها حتى ابتعدت عني الى هذه الدرجة من القطيعة ، لقد وصلتُ الى مرحلة خطيرة ياليلى وانت غير مبالية بي .
لا أدري كيف أصف لكم الحال ، وأي خوف اعتراني من الموت نفسه وأنا في غرفتي التي كنت فيها محجوراً ومعزولاً عن عائلتي كي لا يتفشى الوباء في عائلتنا جميعاً .
لكن  مع كل ذلك الألم والخوف  كان ينتابني شوق لامثيل له الى ليلى .
ليلى هذه المرأة التي أحببتها بكل صدق ووفاء وأمانة .
ليلى هذا الكائن الذي لامثيل له في هذا العالم كله من طهارة وعفة .
حتى لو خلا البشر من صفة الإنسانية ، لكانت ليلى كفيلة بهذه الصفة لوحدها ، فهي الإنسانة الحقة ، وهي المثال الرقيق للمرأة ، وهي النموذج اللاشبيه لها في هذه المعمورة .
ولا أدري أي عذرٍ لها أجد كي أقنع نفسي بعدم سؤالها عني في لحظات الحياة الأخيرة .
بات الوضع أصعب مما كنت عليه ، وصرتُ أشعر أنها أنفاسي الأخيرة وأنها الليلة الأخيرة لي ، وأنا أبحث في كل زاوية من زوايا غرفتي عن خيال لليلى .
ولكم وددت ان تكون ليلى آخر من أراه قبل الموت ، فكأنها مرآة للسماء ، وأن الفجر قد صيغ من ألوان بشرتها البيضاء .
لم أكن أريد أن تزرع ليلى في فؤادي ابتسامة ما ، بل كنت أريد ان تشعل في قلبي نوراً ، نوراً يضيء حياتي كلها ومايحوطني ،
واي نور يفوق نورها أو يضاهيه  !؟

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
casibomcasibom girişcasibom resmi girişdeneme bonusu veren sitelerdeneme bonusucasino sitelerideneme bonusu veren sitelerdeneme bonusu veren sitelercasino siteleribahis siteleribonus veren sitelermarsbahismarsbahis girişmarsbahis güncel girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişcasibomcasibom girişmarsbahismarsbahis girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişegebetegebet girişegebetegebet girişegebetegebet girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahiscasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişbetparkbetpark girişbetparkbetpark girişbetparkbetpark girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis giriş