*كانت الساعة تقارب الحادية عشرة صباحًا، والصمت يلفّ فصل الصف الرابع الابتدائي في إحدى مدارس ريف تعز،عاصمة الثقافة اليمنية.*
*كان الأستاذ جواد، منهمكًا كعادته، في كتابة مسائل الرياضيات على السبورة الخشبية السوداء. ولم يكن يُسمع في أرجاء الفصل سوى حفيف الطباشير، رفيق الصمت الوحيد، حتى قطعه طرقٌ خفيفٌ ومهذّب على باب الفصل الحديدي شبه الموارب.*
*التفت الأستاذ جواد، دافعًا قنطرة نظارته السميكة إلى أعلى، والتفتنا معه لنرى الطارق.*
*كانت الأستاذة إلهام، معلمة اللغة العربية ورائدة الصف، تقف هناك بهدوئها المعهود. شدّ انتباهي طلبها من الأستاذ السماح لي بالخروج إليها. شعرتُ بحرج شديد، وبأنظار الطلاب والطالبات تتجه نحوي دفعة واحدة؛ نظراتٌ حمل بعضها الفضول، وبعضها شيئًا من الحسد الطفولي البريء، فيما خُيّل إليّ أن وراء بعضها اتهامًا مبطنًا بأمرٍ لا أعلمه.”.*
*سمح لي الأستاذ جواد بالخروج، ولم تفلح ابتسامته الخفيفة في تبديد قلقي وتوتري من ذلك الاستدعاء الذي جاء على حين غرة.*
*وبين نهوضي من مقعدي ووصولي إلى الأستاذة إلهام، لم تمر سوى بضعُ ثوانٍ، لكنها بدت لي كأنها دهرٌ كامل. كنتُ أحلل الأمر في ذهني؛ تارةً يغمرني القلق من سببٍ لا أعرفه، وتارةً أخرى يأتيني شيء من الاطمئنان، خاصة حين أتذكر أنني من الطلاب الذين كانت الأستاذة إلهام كثيرًا ما تثني على أخلاقهم وتفوّقهم.*
*اصطحبتني الأستاذة إلهام إلى غرفة المدرسين المجاورة لسكرتارية المدرسة. دلفنا إلى الغرفة، ولم يكن فيها سوى الأستاذ أحمد كحل، المشرف على الإذاعة المدرسية وأحد أعضاء هيئة التدريس بالمدرسة. وكان، إلى جانب عمله التربوي، أديبًا وشاعرًا سوريًا أثرى الحياة الثقافية في المدرسة بأناشيده ونصوصه الجميلة.*
*قالت الأستاذة إلهام، وهي تشير إليّ بشيء من الاعتزاز:*
*— هذا هو الطالب الذي حدثتك عنه.*
*رفع الأستاذ أحمد رأسه نحوي، ثم أشار إلى كرسي قريب منه وقال مبتسمًا:*
*— اجلس يا بُني.*
*ناولني صفحتين كُتبتا بخط أنيق، وقال بصوت هادئ:*
*— اقرأ هذه الأسطر على مسامعي.*
*أخذت الورقتين، وفي رأسي عشرات التساؤلات التي أجبرت نفسي على تأجيلها، وحرصت، كعادتي، أن أبدو هادئًا متماسكًا.*
*قرأت الصفحتين كاملتين دون أن يتوقفني أحد لتصحيح لفظ أو تعديل مخارج الحروف. وحين انتهيت، رفعت رأسي نحوهما، فوجدتهما ينظران الي نظرة إعجاب واضحة، قبل أن يبدأ الأستاذ أحمد بالإشادة بطريقة إلقائي، ثم يلتفت إلى الأستاذة إلهام قائلًا:*
*— لقد أحسنتِ الاختيار فعلًا.*
*كنت أستمع إليه وما أزال أجهل المهمة التي جئت من أجلها.*
*وقبل أن يزداد فضولي، قالت الأستاذة إلهام بابتسامة بدت وكأنها تكافئ حيرتي:*
*— هاتان الورقتان هما برنامج الإذاعة المدرسية لطلاب الصف الرابع، وقد وقع الاختيار عليك لتكون مقدم البرنامج..*
*— ثم أضافت وهي تنظر إليّ بعينين مفعمتين بالثقة:*
*— أعرف أنك ستؤدي هذه المهمة على أفضل وجه، ولهذا اخترناك.*
*في تلك اللحظة شعرتُ أن الأمر أكبر من مجرد اختيار عابر، وأن الأستاذة إلهام لم تمنحني دورًا في الإذاعة فحسب، بل منحتني ثقتها كاملة.*
*كان عليّ أن أقدم البرنامج كاملًا، وأن أتنقل بين فقراته مقدمًا زملائي واحدًا بعد آخر، فيما أشارك أنا أيضًا في فقرة بعنوان “من هنا وهناك” مع إحدى الزميلات.*
*وقبل أن أعود إلى الفصل، وضعت الأستاذة إلهام في يدي كيسًا مليئًا بالعصائر والبسكويت. حاولت الاعتذار خجلًا، لكنها أصرت بابتسامتها الحانية، فأخذته أخيرًا وأنا أشعر بامتنان صامت لا يعرف الطفل كيف يعبّر عنه.*
*عدتُ إلى الفصل وأنا أحمل أوراق البرنامج وكيس العصائر، وكان فضول زملائي عند عودتي أكبر من فضولهم حين خروجي.*
*وفي نهاية اليوم الدراسي، وزعت الفقرات على الطلاب المشاركين، وطلبت منهم أن يتدربوا جيدًا حتى نكون جميعًا عند حسن ظن أستاذتنا بنا.*
*وفي صباح اليوم الموعود، كنت أول الواصلين إلى المدرسة.*
*استقبلني العم محمد عبد الله، حارس المدرسة، بابتسامته الطيبة وسألني:*
*— أنتم من سيقدمون إذاعة اليوم؟*
*— أجبته بثقة هادئة: نعم يا عم محمد، وكأنني كنت أعيش تلك اللحظة في مخيلتي منذ أن غادرت المدرسة بالأمس.*
*وخلال دقائق وصل بقية زملائي.*
*ومن فوق منصة الإذاعة، كان صوت الشيخ عبدالباسط عبدالصمد ينساب من جهاز التسجيل، بصوته العذب الذي كان يملأ ساحة المدرسة سكينة وطمأنينة.*
*بعدها بدأت التمارين الصباحية، وما إن انتهت حتى أمسك الأستاذ محمد، سكرتير المدرسة، بالميكروفون وقال :*
*— أما الآن، مع برنامج الإذاعة المدرسية، والذي سيقدمه طلاب الصف الرابع الابتدائي.*
*ثم ناولني الميكروفون.*
*أخذته بكلتا يديّ، وتمتمت في داخلي:*
*”بسم الله… توكلت على الله.”*
*بدأت أقدم البرنامج بثقةٍ يساندها الإعداد الجيد، وفخرٍ صغير كان يكبر في داخلي مع كل كلمة أنطقها.*
*وأخذت أتنقل بين الفقرات بإحساس طفولي ممتلئ بالحماسة.وكان التصفيق يزداد مع كل فقرة، حتى شعرت أن الخوف الذي رافقني بالأمس قد تلاشى تمامًا*
*أخذت أقدّم زملائي واحدًا تلو الآخر، وأناولهم الميكروفون حتى اكتملت جميع الفقرات.*
*وحين أنهيت خاتمة البرنامج، دوّى التصفيق طويلًا في ساحة المدرسة، حتى شعرت أن تلك الثقة التي وُضعت في يدي بالأمس قد أثمرت كما ينبغي لها أن تثمر.*
*ومن بعيد، كانت الأستاذة إلهام ترقبنا مبتسمة، وقد وصلتني ابتسامتها كرسالة رضا صامتة، ممزوجة بفخرٍ واضح، وكأنها ترى فينا أكثر من مجرد طلابٍ صغار يقدمون إذاعة مدرسية، بل ثمرة جهدٍ آمنت به ورعته حتى أينع أمام عينيها..*
*أما أنا، فقد عدتُ إلى منزلي يومها وأنا أحمل شعورًا جديدًا لم أكن أعرف له اسمًا آنذاك… لكنه كان، دون أن أدري، البداية الأولى لعلاقتي الطويلة بالكلمة.*
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية