كانت الشمسُ تشرقُ كسبيكةِ ذهبٍ تُذابُ على أسطحِ المدينة،
والشارعُ يغلي بالناسِ، كلٌّ يحملُ على كتفهِ همَّ يومهِ ويسعى إلى رزقهِ.
لكنّي وقفتُ عندَ حافةِ الضجيجِ… ورأيتُها.
امرأةٌ شاحبةٌ كوجهِ الفجرِ بلا نوم،
ومعها طفلتانِ كعصفورينِ كُسرَ جناحاهما قبلَ أن يتعلما الطيران.
جائعتانِ، عيناهما غائرتانِ تسألانِ الناسَ سؤالاً واحداً:
“هل من لقمةٍ تُعيدُ الروحَ إلى الجسد؟”
اقتربتُ، فانهارتِ الكلماتُ من شفتيها قبلَ الدموع:
“لم نأكلْ منذُ أمسٍ… زوجي ماتَ في الحربِ دفاعاً عن هذا الوطن.
كنّا نسكنُ بالإيجارِ، فلمّا انقطعَ الراتبُ انقطعَ السقفُ فوقَ رؤوسنا.
ابنتي الكبرى ينهشُها فقرُ الدمِ حتى صارتْ كظلٍّ يمشي،
والصغرى تأكلُها النوباتُ العصبيةُ ولا أجدُ لها دواءً إلا الدعاء.”
ثمّ رفعتْ وجهها إلى السماءِ وهمستْ بصوتٍ مخنوق:
“يا وطن…
أهذا جزاءُ من ماتَ لأجلك؟
أنْ أموتَ أنا وبناتي جوعاً على رصيفك؟
أينَ أنتَ حينَ صارَ دمُ الشهيدِ أرخصَ من رغيفِ خبز؟”
هنا سقطَ المعنى.
الوطنُ الذي نُحرَتْ لأجلهِ الأعناقُ،
يُديرُ ظهرهُ لأرملةِ الشهيدِ وبناته.
الوطنُ الذي كانَ من المفترضِ أن يكونَ صدراً حنوناً،
صارَ جداراً بارداً يردُّ الصرخةَ صدىً فارغاً.
ما طلبتِ المرأةُ قصراً ولا مالاً.
طلبتْ خبزاً لا يُخجلُ كرامةَ أطفالها،
وعلاجاً يُعيدُ لعيونِهنَّ لونَ الحياة.
لكنّها وجدتْ أنّ أبسطَ حقوقِ الإنسانِ صارَ ترفاً
في وطنٍ تعوّدَ أن يأخذَ كلَّ شيءٍ… ولا يُعطي إلا الوعود.
يا أيها المارّونَ في شارعِ الذهبِ الكاذب:
توقفوا لحظةً.
تحتَ ضجيجِكم تموتُ أمٌّ واقفة،
وتحتَ أقدامِكم تنطفئُ طفلتانِ قبلَ أن تبدأَ حياتهما.
إنْ لمْ يكنْ للوطنِ معنىً إلا أنّهُ يبتلعُ أبناءهُ،
فما الفرقُ بينهُ وبينَ المنفى؟
اللهمّ لا تجعلْ كرامةَ أرملةِ الشهيدِ تُباعُ في مزادِ الجوع،
ولا تجعلْ دموعَ الطفولتينِ ماءً يُسقى بهِ نسيانُ الناس.
وإنْ سألكم التاريخُ يوماً: ماذا فعلتم؟
فقولوا:
“كنّا هناك… وسمعنا الصرخةَ… ولمْ نُصمَّ آذاننا.”
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية