باقيس.. من السرد بالألوان إلى السرد بالكلمات ، و قطوف سيميائية من غلاف “حيث تسكن الحكاية”

بسام الحروري

يبدو أن هذا العام عام صاحب “ثمانون عامًا من الرواية في اليمن ” عام د . عبد الحكيم با قيس بامتياز ، حيث صدرت فيه للرجل ثلاثة كتب متتالية ، تفصل بينها فترات زمنية متقاربة ، و هي كتاب ( نصية سيرة عمارة اليمني الذاتية ) ، و كتاب ( كثير من الأدب .. قليل من السياسة ) تلاها بأيام قليلة كتاب ( حيث تسكن الحكاية ) وهو كتاب في النقد الأدبي يتضمن مقاربات نقدية في شؤون السرد ، و هو قيد الطباعة في القاهرة ، و سيصدر قريبًا – إن شاء الله – عن دار متون ، و لم يصلنا منه حتى وقت كتابة هذه الكلمات غير صورة غلافه ، وقبلها كتاب دراسات سردية في الرواية الواقعية ، و ما لا يعرفه الكثير عن الرجل أنه فنان تشكيلي قبل أن تتحول ريشته إلى يراع يمعن في تشكيل سريالية السرد و تجريد ما وراء سطوره ،
و نقد انطباعيته ، و تقويمه ، و إبراز جمالياته ، و هو انتقائي دقيق لعناصره الساكنة في عتبة أغلفة كتبه كونها عتبة ما قبل النص ؛ إذ يشرك القراء ، و يستطلع آراءهم من خلال حائطه على( فيس بوك ) و لايستأثر برأيه رغم تخصصه في ذلك ، و هو إن دل على مدلول فإنما يدل أن الحكيم حكيم فعلًا ، يصفف عناصره في واجهة غلافه بعناية ، يتأنى في اختيار اللون ، و يتريث في تحديد بنط العنوان ، يترك مساحة في وجدانه القلِق إزاء هذا التشكل الفني للعتبة الأولى ، مناصفة بين التشكيلي ، و الناقد اللذين يسكناه ، ليتناظرا ، و يتحاورا حول واجهة الغلاف ، و الجميل أنه لم يسبق أن قال الناقد فيه للتشكيلي ذات ضجيج فكري ، و فني صاخب : “غَيّر عتبة غلافك ” أما هو ، فيتأملهما ، و يُيسر حوارهما في سدة المتخيل ، إلى أن يلتقيا عند رؤية وسطية تمنحهما تمام الرضا ليولد الغلاف المنتظر حينها بأبهى حلة يزدان بها الكتاب ، أذكر في عام 2016 م أنه أهداني نسخة من كتابه ” ثمانون عامًا من الرواية في اليمن ” و هو مرجعية مهمة في تاريخ الرواية اليمنية ، و نقدها ، و قد أفدت منه كثيرًا في الجانب التاريخي ، و النقدي للرواية ، و ما زلت أرجع إليه كلما استدعى الأمر ، و لفت نظري أن صورة الغلاف اختلفت عن المشهد النمطي المتعارف عليه في أغلفة كثير من الكتب التي تتحدث عن اليمن في أي مجال كان ، حيث يتضمن فيها الغلاف صورة لمعلم جامع ، و شامل كأن يكون باب اليمن ، أو قلعة صيرة ، أو دار الحجر ، أو حصن الغويزي ، أو جسر شهارة ، و غيرها من الصور النمطية الجاهزة ، و التقليدية المكررة ، و قد لاحظت أن غلاف الكتاب تتصدره صورة لمدينة حبان التاريخية ، و بدت الصورة غير معروفة ربما لي كثيرًا ، و دار بيننا حوار حول هذا الموضوع ، كما صرح لاحقًا بعدم ميله لهكذا نمطية لأنه يَعدها قولبة للرؤية ضمن مسار محدد سلفًا ، و على هذه الشاكلة درجت أغلفة كثير من كتبه ، و هكذا أيقنت أنه إنما أراد أن يحلق بتفكير مغاير خارج الصندوق ، و إذن هو ليس ممن يوكلون الأمر في هذه الحالات إلى غير أهله من المصممين فيخبزونه كيفما اتفق ، فبعضهم دخلاء على الصنعة ، لا يحسنون ، و لا يتقنون ، و قد عانيت مع أحدهم ، و اتضح لاحقًا أنه عسكري ، و سمسار أكثر منه مصمم ، في تصميم لوحتي التي رسمتها لتكون واجهة الغلاف في إضافة بعض الألوان ، و يبدو أنه – أيضًا – مصاب بعمى الألوان ؛ إذ لا يفرق بين اللون الأبيض ، و الأحمر ، لكني خرجت من الأمر بأقل الخسائر ، و على أية حال ، فقد جمعني بالدكتور باقيس محتوى بودكاست امتد الحوار فيه لأكثر من ساعة ، و نصف ، عرجنا فيه على كثير من المحطات الحياتية ، و الأدبية ، و تجولنا بين مدارس النقد ، و تاريخ الرواية المحلية ، و العربية ، و العالمية ، و تساءلنا مع صلاح فضل في سهله الممتنع ، و جابر عصفور في نقده النخبوي ، مرورًا برمزية أدونيس ، و أنسي الحاج ، و غيرهم ، و حين أطلق باقيس إعلانه عن ولادة كتابه الجديد “حيث تسكن الحكاية” دار بيننا نقاش مستفيض حول العنوان المثير للجدل ، الذي ينفتح على أغلب الأجناس الأدبية ، و أخبرته في حوارنا أنه يمكن أن يكون عنوان برنامج تلفزيوني ، أو إذاعي ، أو محتوى بودكاست ، ناهيك عن كونه – أي العنوان – يتواشج مع السير الذاتية ، و أدب الرحلات ، و ربما ينفتح على المتخيل الروائي مع تعديل بسيط فيه بما يتوائم مع المضمون ، و استفزني الغلاف أكثر ، و قررت الكتابة عنه حينما بعث لي بصورة تصميمه رغم أن الكتاب مازال تحت الطبع في القاهرة كما أسلفت .

سيميائية الصورة ، و اللون ، و تواشجهما في نسيج الحكاية

يسكن هاجس الغلاف ، و سيميائيته مخيال الكثير من الكتاب ، و المؤلفين ، و يشغل بالهم ؛ لاسيما حين يكون المؤلف تشكيليًّا ، و يشتغل في مجال النقد ، و السرد كحال د. باقيس ، فحين تقع عينك على عتبة الغلاف ، تأسرك صورة الطواحين “المملاح” إلى جانب الكوخ الحجري الصغير ، يتوسطه طريق ترابي انفتح في أوله كتاب الحكاية ، و تساقطت فوقه ، و حوله ريشات بيضاء خلفتها بعض الطيور المهاجرة ، و هي تعتلي سدة السماء ، إلى جانب ساحل البحر الذي يظهر جزء منه يمين الغلاف ، فتتطاير أحرف الحكاية في أفق يمتد خلف الطواحين ، و حولها ، و كان بإمكان المؤلف استخدام صورة أيقونية أخرى من عدن ، كالمجلس التشريعي – مثلًا – أو برج الساعة ، أو خليج الفيل ، لكنه الانزياح ، ذهب بصاحب الحكاية إلى حيث تسكن هناك ، كما أن صراعه ليس مع الطواحين بل مع الاندثار ، و الضياع الذي يسرق الحكاية ، و التراث ، و يفنيهما ، فأعلن حربه عليه ، لا على الطواحين ، علاوة على أنه احتفى بها – أي الطواحين – و ضمنها غلاف حكايته ، و لامجال للمقارنة بينه ، و بين ( دونكي خوتيه ) بالإيطالية أو (دونكي شوت) لسرفانتس ، الذي اجترح عبثية الصراع إلى جانب مساعده ورفيق معركته سانشو بانزا ، فخلق لنفسه عدوًّا يصارعه ألا وهي الطواحين، هو في غنى عنه.

سيميائية العنوان :
دلالات اللون ، و بنط الخط
و يبرز أعلى الغلاف اسم المؤلف د عبد الحكيم باقيس بخط صغير باللون الأسود ، ثم يليه العنوان بخط أنيق ، و واضح مريح للعين ، و قد رتب بهذا الشكل :
حيث تسكن
الحكـــــاية
مقاربات نقدية في شؤون السرد .
و هنا دعونا نقف قليلًا لنقرأ العنوان من خلال تفاصيله :

حيث تسكن / كتب بخط أصغر قليلًا باللون الأسود
الحكـــــاية / كتب باللون الأحمر بخط مريح للعين
مع تكبير بنط الخط للكلمة ، كون الحكاية هي محور الكتاب ، و السرد ، و هي النواة التي تدور حولها المقاربات النقدية التي ضمنها المؤلف كتابه ، و ربما هنا تنفتح الحكاية على التأويل ، لكن بالمقابل يحيل اللون الأحمر الذي تلبسته حكاية باقيس إلى أنها خط أحمر غير قابلة للتزوير ، و ( كل ممنوع مرغوب ) بمعنى تبدو الحكاية بحلتها الحمراء وجهة مرغوبة يتهافت عليها الكل الصغار ، و الكبار بدون اللون الأحمر ، فما بالك إذا ازدانت باللون الأحمر ! فهنا يزداد التهافت ، و الرغبة بها ، و هنا تتحقق مقولة : ( كل ممنوع مرغوب ) كما ذكرت ، و لاننسى أن سرد شهرزاد ، و حكاياتها لمليكها شهريار كان في ليال ، و أجواء حمراء ، و الحكاية بطبيعة الحال حام معنوي لتراث ، و أساطير المدينة ، أو البلدة ، أو الأرض ، و هي حارسها الأمين من الاندثار ، و الضياع ، كما حمت حكايات شهرزاد صاحبتها ، و بنات جنسها من الموت ، و الضياع ، و وهبتهن حياة جديدة بعد أن حلت عقدت الخيانة لدى مليكها بالحكاية ، و السرد ، ثم تليها عبارة ( مقاربات نقدية في شؤون السرد ) باللون الأزرق ، و هو توصيف تعريفي لما تنطوي عليه الحكاية ، و يتفرع عنها من مسارات السرد ، و مايتصل بشؤونه تحت معياره النقدي ، و مجهره الفاحص ، و تشير سيميائية اللون الأزرق إلى حبر النقاد ، و الباحثين يجرونه في خضم الحكاية ، و يدلون بدلائهم على متونها ، و حواشيها من خلال مقاربات ، و تأويلات يثرونها بقراءات ذات أسس منهجية رصينة ، و الحكاية تبدأ في رؤية ( حكيم السُراد ) من عدن ؛
نعم.. عدن بالمكان ، و بالزمان المسحورين بأساطيرهما ، و المعجونين بمفارقات السرد ، وغرائبية أسطورته ، فمن خلال تلك المشهدية المألوفة للعين التي تتصدر الغلاف ، مشهدية الطواحين ، أو المملاح كما يطلقون عليها في عدن ، التي تتراص في تداع تراتبي كتراتيبة فصول الحكاية ، و انزياحاتها في فضاء التأويل الذي تنفتح عليه عتبة الغلاف ، يقفز السؤال من الذهن ماذا نقصد بالمشهدية المألوفة ؟ المشهدية المألوفة هي صورة الطواحين التي تجاور المحمية ( محمية البجع ) و تحاورها ، إذ تلفت نظر الذاهب من خور مكسر إلى الشيخ عثمان ، أو العكس في الطريق الممتد بينهما ، وهي – لاشك – مشهدية تستوقف وجدان كل من مر بالمكان لتأسره تلك الفسيفساء البانورامية ، شموخ المبناني بمراوحها في وجه تعرية الزمن إلى جانب السياج ، و الممشى المستحدث ، و عناق الرمل البني المالح لصفحة الماء ، و هما شاخصان إلى الأفق المفتوح ، و لعلها – ايضًا – مشهدية تأطرت في مخيال الكثير ممن مروا هناك ، فما بالك بالتشكيلي الذي يسكن باقيس ! و لعله ادخرها في صندوق الحكايا القصي في مكان ما من تلافيف ذاكرته لينقشها كمعلم مغاير يجافي النمطية المتبعة في صك أغلفة الكتب ، لتتربع لاحقا على عتبة غلاف حكاياته ، أما قلت لكم – فيما أسلفت – أن الرجل يحلق خارج الصندوق ؟! وإذن فهو كذلك ، و لماذا اختار المؤلف عدن لتكون سكن الحكاية ، و إن تفرعت منها ، و عنها إلى وجهات شتى ؟
لأن السيميائية الحكائية
عند المؤلف تتكئ على السكنى ، و الإقامة الطيبة ، و الخلود ، إلى آخره من المعاني التي يكتنزها اسم عدن من خلال عدة مستويات ، دعونا نوردها هنا :
( * )( لغوي، جغرافي ، ديني)
فالمعنى اللغوي:
جذر الكلمة عَدَنَ في العربية يعني : الإقامة ، و الاستقرار ؛ يُقال : ( عَدَنَ بالمكان ) أي أقام به ، و استوطنه ، وثبت فيه ، و منه ( المعدِن ) لأن الجواهر تستقر ، و تثبت فيه ، كما تعني الخلود ، و الدوام (جَنَّاتُ عَدْنٍ) أي جنات إقامة دائمة ، لا رحيل منها ، كذلك الخِصب ، و النعيم ( عَدَنَت الأرضُ ) إذا خَصِبت ، فالاسم يوحي بالخصب ، و الخير المقيم ، فـ عدن = مكان الإقامة الدائمة الطيبة. و معنى”عدن” المدينة مأخوذ أيضا من الجذر نفسه ، و فيه رأيان :
الرأي الأول: لأنها ( مَعدِن ) السفن ؛ أي ميناء ثابت تستقر فيه السفن من عواصف البحر ، فعدن ميناء طبيعي محمي بجبال .
والرأي الثاني : من “عدن بالمكان” أي استقر ، لأنها كانت محطة استقرار القوافل ، و التجار منذ القدم ، و معنى (جنات عدن ) في القرآن وردت (11) مرة ، مثل : ( جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا )
و المعنى الاصطلاحي : جنات إقامة وخلود .
قال ابن عباس : (عدن ) بطنان الجنة ، أي وسطها ، و أفضل موضع فيها ، و الفرق بين ( جنة ) و ( جنات عدن ) الجنة : البستان ، و عمومًا ( عدن ) : صفة لها، يعني بستان للإقامة الدائمة ، دار خلود ، لا موت فيها ، و لا خروج ، و في التوراة : “جنة عدن ( Garden of Eden )
الجذر السامي نفسه في العبرية ( עֵדֶן” Eden ) تعني : نعيم ، بهجة ، رفاهية .
فـ ( جنة عدن ) = جنة النعيم ، و من هنا دخلت للغات الأوروبية ، و في السياق المعنى
( لغويًا ) الإقامة ، الاستقرار ، الخلود ، الخصب
( مدينة عدن ) الميناء المستقر ، أو من الاستيطان القديم ، و ( دينيًا ) جنات الخلود ، و الإقامة الدائمة في النعيم .
( شعوريًّا ) المكان الذي ترتاح فيه ، و لا تود مغادرته.
و بعد هذا كله ألا تستحق أن تكون سكنى الحكاية ؟! بل هي سكنى الحكايات .
وإذن فعدن مبتدأ الحكاية ، و منتهاها ، و هي ليست أي حكاية ، لحظة .. !
ماذا نعني هنا بمبتدأ الحكاية ، و منتهاها ؟
فمن أسطورة الهروب المعروف لقابيل بعد أن فعل فعلته منذ البدايات الأولى للخليقة حين ارتكب أول جرم بالتاريخ البشري ، و هو القتل العمد إلى عدن كما تقول الأسطورة ، و مابينهما من حكايا هروب الساسة ، و الثوار من عدن ، و إليها ، و الغزاة ، و الطامعين ، و غيرها من الحكايات التي اكتنف بعضها غموض ، و أساطير ، و خرافات .
إلى منتهى الحكاية ، و هي خروج النار التي تسوق الخلق إلى أرض المحشر من قعر بركان عدن يوم يرث الله الأرض ، و من عليها ، و هنا تكمن سيميائية المبتدى ، و المنتهى الذي تدور خلاله الحكاية الساكنة في عدن ، و هي ذاتها سيمائية الدوران الذي جسده دوران مراوح الطواحين في الغلاف ، و إلى ماسبق ، و من خلال قراءة
ألوان العنوان ثمة قراءة أخرى تتوازى مع القراءة السابقة
إذا ما أمعنا التأمل من منظور مغاير لألوان العنوان :
حيث تسكن
الـحكــــــــايــــــة
( مقاربات نقدية في شؤون السرد )
سنجدها كالآتي : حيث تسكن = باللون الأسود
الحكــايــــة= باللون الأحمر
مقاربات نقدية في شؤون السرد = باللون الأزرق ، و لا ضير إذا ضممنا إلى تلك الألوان بياض الريش ، و بياض الطريق .( الطريق ) الذي يشي بأن عدن كانت المدينة السباقة ، و حاملة لواء السبق ، و الصدارة ، حين شقت طريقها بجدارة نحو ركب المدنية ، و التحضر ، و هنا تكتمل الرمزية ، لنجد أن عناصر الألوان في الغلاف مجتمعة ، الاحمر ، و الأبيض ، و الأزرق ، و الأسود ، تحيل لسيميائية ألوان علم دولة ( الجنوب ) التي بغض الطرف عن صيغ تسمياتها المتعددة التي تغيرت بين فترة ، و أخرى منذ الاستقلال ، و حتى الوقت الراهن ، حيث كانت مدينة عدن عاصمة هذا العلم ، و مركز قراره كما هي مركز الحكاية في منظور المؤلف ، و هنا تنداح الحكاية ، و تومض من حيث تسكن ، من عدن ، كما توحي سيميائية الريش المتناثر على صفحات الكتاب المفتوح ، و حوله الذي خلفته الطيور المهاجرة ، و هي تظهر مبتعدة بتحليقها العالي في الفضاء الرحب ، و هو فضاء السرد ، و الحكايات ، و حكايات من زاروا عدن ، أو مكثوا فيها لمدة طالت أم قصرت ، ثم ارتحلوا بعد ذلك يضربون في الأرض ، أو غيبهم الفناء ، و بقيت حكاياهم مبثوثة هنا ، و هناك تسكن ثنايا المكان ، كالشاعر الفرنسي رامبو ، و الملكة إيلزابيث ، و الملك جورج الخامس ، و هيلا سيلاسي ، و جمال عبد الناصر ، و ياسر عرفات ، و أمين الريحاني ، و عبد العزيز الثعالبي ، و محمود درويش ، و أم كلثوم ، و جعفر حسن ، و فريد الأطرش ، و كارستن نيبور ، و فريا ستارك ، و غيرهم الكثير ، و الأمر ينسحب على من زارها ، و سكنها من الناس العاديين من العرب ، و الأعاجم بمختلف فئاتهم و طوائفهم من شتى شعوب العالم ، و نقلوا إليها حضاراتهم ، و ثقافاتهم ، و طقوس دياناتهم ، و طرازهم المعماري بل ، و بنوا فيها المعابد ، و الكنائس ، و المساجد التي احتضنت أضرحة الأولياء ، و الصالحين ، فاحتضنت حكاياتهم حكاية عدن ( الكوزموبوليتانية ) و يمثل اللون المتراوح مابين الأصفر ، و البني ، و هو اللون الغالب على وجه الغلاف ، لون القهوة ، كون الحكاية لا يمكن أن يطيب ، و يحلو تلقيها إلا برفقة القهوة ، سماعًا ، أو قراءة ، كما يشير الكتاب المفتوح إلى استمرار سريان الحكاية ، و مرورها من هنا ، قراءة ، و تدوينا ، و ما يضاف لها من حكايات قادمة ما زالت في طور التشكل ، و إذن فالحكاية عند باقيس لاتنتهي عند نقطة سطر محددة ، بل هي قابلة للتوسع ، و التجدد ، و الإضافة ، و التدوين ، و الانتشار من عدن ، كما أن ثمة سيميائية يمكن أن نسحبها على اللون الأصفر ذاته ؛ لتعطينا الإحالات الآتية :
ـ الأصفر = قدم الكتاب من خلال اصفرار أوراقه
ـ الأصفر = قدم الحكاية
ـ إحالة أخرى = قد أكل عليه الدهر ، و شرب .
ـ و = ضارب في القدم
كما أحدثت الريشة التي سقطت على صفحة الكتاب بقعة سوداء = أثر الأثر ،
و نلحظ عبارة غريبة تنداح كغبار أثارته مراوح
الطواحين بحروف تتباعد عن نفسها محلقة تدريجيًّا في الفضاء المفتوح تفيد عند جمعها معنى غريبًا نوعًا ما ، أشبه ماتكون بجملة مركبة
جمعت كلماتها من هنا وهناك على عجل و هو : ( اسم تحارب ، من أنت؟ ) و لعل معناه : كن اسم يحارب ، ليضع لذاته بصمة في ثنايا الحكاية ، كي لا يقال من أنت ، و اصنع حكايتك الخاصة بك حتى لا تعيش ، و تفنى ، و أنت نكرة ، و يطل الكوخ الحجري من بعيد في فضاء الغلاف ليعرف بنفسه بأنه السكنى الأولى للإنسان ، و العامر بحكاياته الدافئة ، و الصاخبة ، و العادية ، الحزينة ، و السارة ، لعادية ، و الملهمة ، إلى جانب ساحل البحر الذي يظهر في يمين الغلاف كونه عاملًا أساسيًّا ، و جسرًا في تشكل حكايات من عبروه من كل العالم إلى عدن ، و من عدن إلى كل العالم ، في الذاكرة الجمعية ، و هو مؤتمن على كتمان كثير من أسرار تلك الحكايات سواء كانت فوق خضمّه الفيروزي أم تحت أعماقه ، أو على شطه ، و رمله ، و هو مرفأ الحكاية ، و مرتحلها من خلال أمواجه التي تهرب منه لتحاول البوح بسر من أسرار الحكاية ، لكنها تموت ، و هي تحاول فيتشربها الرمل ، و هذا قدرها ، كما يجسد الطريق في منتصف الغلاف السيميائية ذاتها ، في مرور تلك الحكايات التي مرت ، و ما زالت تمر به إلى وجهتها المعلنة ، و غير المعلنة ، وكنت وددت لو أُضيف مشهد لقافلة من الجِمال وهي تعبر الطريق، لأن رمزية القافلة و حوداثها و حكاياتها كثيرة ومثيرة للشجن، لكن يكفي مافي الغلاف من عناصر فكثرة العناصر ربما قد تفسد
اللوحة ويضيع المعنى بينها.
و إذا ألقينا نظرة على غلاف الكتاب الأخير ، سنجد المؤلف يختتم كتابه بجزئية مهمة ، و الأكيد أنها مقتطعة من مقدمة الكتاب . الافتتاحية ، حيث تحاور هذه القطعة المكثفة نفسها من خلال المؤلف ، و تجيب من خلال سؤال مهم جدًّا عن أهمية المقدمات للكتب من عدمها ، كما تطرح الآراء ، و المقولات في هذا الصدد ، و تفندها .
و تلقائيًّا كونك قارئًا تجد نفسك تدلف رويدًا رويدًا في هذا الانزياح ( الباقيسي ) و إذ بك تصبح طرفًا في هذا الحوار ، تأخذ مقعدك ، و تطرح سؤالك ، و تحاور ، و كأنك في جلسة نقاشية معرفية ثرية ، و هو – في رأيي المتواضع – أسلوب جديد في كتابة المقدمات ، استطاع حكيم أن يُحكم قبضته من خلاله على زمام قارئه ، ثم يطلقه ليحلق في هذا الأفق المعرفي طواعية ، و بكل رحابة ، إلى أن يختتم هذه الحوارية المقتضبة بـ ( كما يقولون ) وهي مفتتح الحكاية ، و مفتاح السرد .
و قبل الختام أعتقد انني توسمت في الرجل أنه ممن يرمي حجرًا في بحيرة السكون المعرفي من خلال الأسئلة ، و هو بذلك يحفز ذهن المتلقي ليفلتر المحتوى المعرفي ، و يعيد غربلته حتى يصل إلى نتيجة ملموسة ، و مغايرة ، بل و يستل الأسئلة من أغمادها كونها المفاتيح التي تقودنا إلى المعرفة ، و قد حضرت أكثر من فعالية ثقافية كان الدكتور حاضرا فيها من خلال أسئلته التي تثير جوًّا معرفيًّا ، و تحرك الجمود ، و تثري الحوار ، و حتى في الفعاليات التي تعتمد على طرح الأجوبة الجاهزة ، و التلقي المعلب ، يبرز الرجل ليخلق من حزمة الأسئلة فضاء ينداح في أفق يدعو خلاله العقل ، و يحفزه على التفكير ، عبر نقاش معرفي يثيره سؤال ، فينبري الجمع إلى التفسير ، و التأويل ، و التفنيد ، و الشك ، و التساؤل ، و هنا يكون للجواب ، و المعرفة نكهة أخرى ، و قد دعيت في إحدى المرات للمشاركة في أمسية شعرية ، فألقيت قصيدتي (صخرة الروح) و كانت مكتنزة بالأسئلة ، و التساؤل ، و من ثم غادرت الفعالية بسرعة لانشغالي بأمر ما قبل أن أستمع إلى التعقيب النقدي الذي يطرحه الدكتور باقيس بعد النصوص الملقاة ، وكان ضمن ماقاله في تعقيبه بحسب ما أفادني بعض الزملاء : لماذا لاتكتبون نصوصًا مثل نصوص بسام الحروري؟! تستثير الأسئلة ، و تحاور المتلقي ، هكذا يكون للنص قيمته المعرفية المثلى .
و هو بالطبع شرف كبير لي من هامة ، و طود كالدكتور باقيس ، و يسعدني أنها نالت استحسانه .
و ختامًا يقول أدونيس : ( اسأل ثم اسأل ، ثم اسأل حتى إذا لم تجد جوابًا ، فالأسئلة مفاتيح المعرفة .

هامش:
————
– ص/٣٣- ٣٤
من كتاب مدن خالدة
ل عبد اللطيف إبراهيم

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
deneme bonusu veren sitelerdeneme bonusucasino sitelerideneme bonusu veren sitelerdeneme bonusu veren sitelercasino siteleribahis siteleribonus veren sitelercasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişegebetegebet girişegebetegebet girişegebetegebet girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişbetparkbetpark girişbetparkbetpark girişbetparkbetpark girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahis güncel girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis güncel girişmarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahis güncel girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahis güncel giriş