قد تكون موهبة الكتابة منحة من الله، يمنحها لمن يشاء من عباده. وهذا الامر قد يبدو في ظاهره سلسا وسهلا وفي متناول اليد، إذ يكفي الكاتب، حين يحتاج إلى الكتابة، أن يتناول قلمه ويبدأ في رسم ما يدور حوله أو في ذهنه.
لكن الامر، لمن مارسه، ليس بهذه الصورة. وقد لا يعلم من لم يمارس هذه الموهبة أنها صراع مرير يجتاح الكاتب حتى يكتب، حتى شبهها البعض بآلام المخاض عند المرأة اثناء الولادة.
لا ادري لماذا قدمت هذه المقدمة القصيرة للتعريف بالكتابة وعلاقتها بالموضوع الذي اكتب فيه. لعل بينهما تشابها بعيدا أو ضمنيا، أحاول أن أكتبه.
إن من يبيع ويشتري، سواء كانت تجارته بسيطة أو كانت تجارة ضخمة، يتحتم عليه أن يتعامل مع الناس وفق مفهوم واسع، ولعل خير ما يتصف به التاجر هو السماحة. والسماحة هنا لا اود حصرها في التجارة فحسب، بل هي قيمة تنسحب على مختلف مجالات الحياة.
وهنا اعود إلى الكاتب، حيث إن بضاعته هي ما يكتب، فلا بد له من سماحة من نوع خاص، تترتب عليها مسؤولية، تتمثل في أن يتناول من قصص الناس البسيطة ما يشير إليها، لتكون العبرة اوسع من أن تظل القصة حبيسة صاحبها.
حدثني أحد الاشخاص بقصة بسيطة في ظاهرها، عميقة في ابعادها.
قال: اشتريت من تاجر متجول يعمل على شاحنة صغيرة بعض الرمان، وعندما قام بالوزن على الميزان الذي معه، تبين أن المبلغ ينقص قرشا واحدا، أي أن المجموع كان 99 قرشا بدلا من دينار.
ويضيف صاحب القصة أنه قال للتاجر: لا بأس بالامر، ثم أخذ الرمان وابتعد عنه. ويقول إنه دار في ذهنه خاطر مفاده: لو أن التاجر أضاف حبة صغيرة من الرمان، لكان الامر أكثر راحة للبائع. لكنه لم يهتم بالامر كثيرا.
ويضيف: ابتعدت عنه مسافة تزيد على كيلومترين، وإذا به يمر من أمامي، وفجأة التف في عملية دوران مفاجئة، وعاد نحو المرتفع الذي أتى منه.
ويقول ايضا: بعد مسافة تقارب عشرين مترا، سقطت حبة رمان من شاحنته، وتدحرجت حتى وقفت أمامي تماما، بينما كانت الشاحنة قد غابت عن الانظار وابتعدت. التقطتها، وقسمتها نصفين بيني وبين شخص كان يقف معي.
ما لفت انتباهي في قصة حبة الرمان هذه، أننا نشاهد من يكتب عن امر ما، ويجهد نفسه في رسم صورة لما يكتب فيه، ولكننا، في خلاصة الامر، نجد أن ميزان كتابته ينقص بذات المقدار الذي انتقصه تاجر الرمان، لتأتي الحقيقة في النهاية متدحرجة أمام الناس، وتقف أمامهم واضحة لا تحتاج إلى كثير من الشرح.
إن الاحداث التي تتسارع اليوم، في عصر انتقصت فيه موازين الحق والحقيقة، وساد فيه الكثير من الباطل، تفرض على من يقرأ مقالا أو يسمع خبرا أن يتذكر قصة تاجر الرمان، الذي انتقص من ميزانه قرشا واحدا، وكأن في هذا القرش تكمن الحقيقة.
فعلينا أن نتريث، وأن نتأكد مما نراه أو نسمعه، قبل أن نصدر الاحكام أو نبني المواقف. فقد تأتي حبة الرمان، أو تأتي الحقيقة، متدحرجة من مكان لا نتوقعه، لتقف أمامنا واضحة، وحينها ندرك أن ما غاب عنا لم يكن بعيدا، وإنما كان ينتظر اللحظة التي يظهر فيها.
فلنتأن في الحكم، ولنتثبت في الخبر، ولنعط الحقيقة وقتها ومساحتها، حتى نسلم من الوقوع في شراك الظلم والبهتان، ومن الغباء في تصديق كل ما نرى أو نسمع.
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية