نبشت في رماد السنين عن كلمة واحدة تُضرم الحزن وتوقد النور، فلم أجد أصدق وقعًا ولا أشد خطرًا من كلمة: الــحــب..
الحب ليس ضعفًا كما يوهمونا، الحب تمرد نبيل.
لغة لا تعرف الحدود، تهد الجدران حجرًا حجرًا، وتعبر القارات بلا تأشيرة ولا استئذان.
هو طائر لا يُحبس في قفص، ولحن لا تكممه يد.
هو بياض في وجه السواد، وشروق يتسلل إلى عين الظلام، وأرض قاحلة تُنبت الورد عنادًا، رغم القحط ورغم الجفاف.
لكن في مجتمعي البائس، مجتمع ضاقت به المعاني..
صار الحب الجريمة الوحيدة التي تُحاكم قبل أن تُرتكب، والتهمة الوحيدة التي يُعدم فيها القلب قبل أن ينبض.
في مجتمعي الذي خلط بين القسوة والهمجية، امرأة للمتعة العابرة، وأخرى لعقد الزواج..
هنا يحولون الحب إلى نكتة تُروى في المجالس، وإلى تسلية باردة، وإلى صيد يُتباهى به.
هنا يُلبسون الكذب ثوب “العُرف” فيغدو فضيلة، ويُلبسون الخداع اسم “الرجولة” فيغدو بطولة، بينما يُجلد الصدق في الساحات حتى ينزف.
علمونا الخوف حتى صار عادة.
خفنا أن نحب، فخفنا أن نحيا.
دفنا نبضنا بأيدينا وسمينا الدفن حياء.
صرنا نعتذر لأن قلوبنا نبضت، ونكذب ونقول: “قلوبنا فارغة” وهي ممتلئة بالوجع إلى حد الاختناق.
قالوا لنا: الحب انقرض.
كذبوا . .
الحب لم ينقرض، نحن من قتلناه.
ذبحناه على مذبح “ماذا سيقولون”،
وعلقناه على مشانق “العيب” حتى جف دمه.
رأيت قلوبًا تُكسر باسم الحلال، وعهودًا تُباع في سوق النفاق بثمن بخس، ورأيت أرواحًا تذبل لأنها تجرأت أن تشعر.
ومع كل هذا أُقسم: الحب هو جنة هذه الدنيا، هو المعنى الذي يجعل للحياة حياة. هو الماء الذي إن غاب يبس كل شيء.
اسمعوني جيدًا: الحب ليس كلامًا يُقال في الليل وينسى في النهار، الحب موقف يُفعل، ويد تُمسك عند العاصفة، وظهر لا ينحني.
قلوب المحبين ليست ضعيفة، هي قنابل من ريحان وياسمين، تنفجر جمالًا في وجه القبح والزيف..
ولذلك أعلنها صريحة بلا مواربة: أبرأ من مجتمع يشنق العاشق ويصفق للقاتل.
أبرأ من عادات جعلت من الحلال حرامًا، ومن الحرام عادة يومية.
ما دام الذكور أكثر من الرجال، وما دام النفاق يتوج، والصدق يُصلب، فسأعلق قلبي على حائط الانتظار.
وليس ذلك جبنًا، فمثلي لا يخاف، بل هو عصيان واعٍ، وإضراب عن واقع لا يتسع لقلب حر.
إضراب عن وطن ضاق بأهله، حتى يأتي يوم يُحاسب فيه الخائن، ويكرم فيه الصادق، ويُرفع فيه الحب من قفص الاتهام إلى منصة الشرف، حيث كان، وحيث يجب أن يكون..
آفاق حرة للثقافة صحيفة ثقافية اجتماعية الكترونية