يا بعد طوايفي/بقلم:حيدر غراس ( العراق )

رجالُ الجنوبِ لا يبدّلون جلودَهم، مهما أكلتْ حراشفُ الملحِ حوافَّ كوفيّاتهم.
لا يتنازلون عن رذاذِ السِّباخ العالقِ على أطرافِ الثياب، ولا ينصاعون بسهولةٍ لإقاويلِ الحداثةِ ونظريّات الترطين الرقمي.
نتمددُ على خرائطِ الشُّرود، نلتقطُ المعاني من فمِ الحروف، ونرضعُ الوسنَ من عيونِ الجنوبيّات لنقفَ على دكّةِ وجعِ التنانير، أوّلَ الغبش وآخرَ الغروب.

غير أنّ يا بعد طوايفي، حين تأتين ببحةٍ تغسلُ عوالقَ الروح، تُغيّرين خوارزميّة الحسابات.
تطرحينني على أرضِ البراح، وتُمدّدين عروقَ سِبَاحِ القداح دون المرور بلغات الشعراء.
تأخذين نصيبكِ من الهشِّ والبشِّ، ويأكل الذين مضوا في دروبِ القرى البعيدة ما تبقّى من أنفاسي.

يا بعد طوايفي…
مع رفعةِ حاجبك، وفمكِ المدوّرِ بالندى المغسولِ بالشذى وبخارِ أباريقِ الشاي على جمر المواقد؛ لكِ وقعُ محامسِ البنِّ في مضارب المجالس، وجرسُ قهوةِ اللقاء، ونشيج هدهدات الأمهات الطويلة.
صوتكِ يأخذ بُعدًا آخر، لا علاقة له بالرجعِ البعيد، من قريبٍ أو بعيد.

أخبرتُكِ ذات مرة، وكان النورُ يخطُّ أوّل صباه على سبورة الفجر البصري،
أن لطزاجةِ البربين نصيبًا أكبرَ من صباحاتِ بساتيننا الغارقةِ بوحلِ الحكايا وبقايا قُبَل الليل.
فهي تبني أعشاشها في خصاصِ الروازين المبللة بالتسابيح.
هكذا تأتين يا بعد طوايفي:
طازجةً كشخبِ حليبٍ يدورُ في فم طفلٍ يمتهن الكركرات،
وكضربةِ مجدافٍ تختمُ الماءَ إيذانًا بالمثول،
وكسرٍّ يسري بين الجنبات ليوزّع الحلقومَ ليلةَ أول زفاف.

ترى… من لليواخين؟
ماءٌ يكفي لغسلها حين يجفُّ ضرعُ السماء في قرانا المنسية؟
ومن للدراويز؟ بوصلةٌ تُرشدُ أبوابَها لدروب المدينة القصيّة؟
ومن للكتاتيب؟ طباشيرُ تخطُّ أول باءِ بسملةِ الشروع؟

لعلها يا بعد طوايفي تفعلُ فعلتَها،
وتأخذُ مداها بين طيّات الكراريس وصبابة الفتى البصريِّ المجبول بسحر القوافي.

يا بعد طوايفي…
هذه المرّة بلا أقواس.
طازجةٌ من الشجرة إلى الخلّاط،
بشرط السكين، دون المرور بكفّة الميزان.
لا تفقه شيئًا من ميزان الصرف،
ولا من خبالات (حيدر سلمان).

هامش:
أنا المملوحُ الشروگي.

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!