الأعمال الكاملة لشعراء العرب المعاصرين(الحلقة الرابعة)

كتب: الشاعر أمين المَيْسَرِي
الذين يقولون إن الشعر بدأ بشوقي وانتهى به. فالحقيقة والأولى أن نقول إن الشعر بدأ بشوقي. أمّا أنه انتهى به. فهذا يعني أننا ننكر هذا الإنفجار أو الإنجاز للشعر العربي الحديث.أنا أزعم أنّ هناك أكثر من مئة ديوان من الشعر الحديث جيّد جدا. ولاننسى أن هناك كثيرا من الدول العربية قدّمت شعراء كباراً لكل دولة.. في سورية قدمت شعراء مثل نزار قباني،وعلي أحمد سعيد وممدوح عدوان وشوقي بغدادي،ومحمد الماغوط وعلي الجندي وغيرهم. وفي مصر قدّمت مثل صلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطي حجازي وإبراهيم أبي سنة وأمل دنقل وفاروق شوشة ومحمد عفيفي مطر وغيرهم.
وفي لبنان قدمت أنسي الحاج،ويوسف الخال،خليل حاوي هنري زغيب فؤاد رفقة شوقي أبي شقرا عباس بيضون وغيرهم.
وفي اليمن قدمت عبدالرحمن فخري ولطفي جعفر أمان وعبدالله البردوني وعبدالكريم الملاحي وعبدالودود سيف وأحمد علي الهمداني وغيرهم.
وفي العراق قدّمت السياب ونازك الملائكة والبياتي وبلند الحيدري وشاذل طاقة وغيرهم.
لقد تجاوز الشعر العربي الحديث كل مخلّفات القصيدة القديمة التي كانت مقيدة بوحدة البحر والقافية. وهؤلاء الشعراء المحدثون هم الذين استكملوا بناء القصيدة الحديثة سواء أكانت تفعيلية أو نثرية.
دعوني اقترب في حلقة هذه الليلة مع شاعر أفضل مَن أنجبتهم مصر شعريا في مطلع الخمسينيات من القرن العشرين إنه الشاعر الكبير صلاح عبدالصبور(1931م – 1981م)
أنا دائما أسميه شاعر القيثارة الحزينة. حزنه نابع من جيل عاش مأساة وطنه واستعمار الوطن العربي.
حتّى موت الشاعر صلاح عبدالصبور كان مأساوياً. فقد سجّل هذه المأساة صديقه الشاعر عبد الغفار مكاوي(1930م – 2012م) في كتابه(بكائيات) وخصّ صلاح عبدالصبور ب(الدمعة الرابعة..نم بسلام) يقول فيها:
(نم بسلام ياشاهد عصري وضحيته، ياجرح العمر وأمل العمر، نم بسلام حتّى نلقاك، نم بسلام.
كيف رحلت يا أعزّ الراحلين، عن مجلس الرفاق والحديث ذو شجون، قد كنت أرجو أن أكون أول الذين يذهبون، كالظلل كالسحاب في سكون. فكيف أبكيك وليس لي بيانك المبين،والعمر قد تدلى من مشنقة الضياع والحنين،فارسنا الحزين، ياصوت جيلنا الممزق الطعين، يا أنضج الثمار في بستاننا الضنين،ودفئنا وشمعنا في عتمة السنين، ألن نراك بعد اليوم لن نعاين الجبين؟ والضحكة التي يضجّ فيها ألف فارس حزين، تمدنا بآية اليقين،ألن ترن بعد اليوم لن تطل من حدائق العيون؟ يافرحنا وجرحنا الدفين،أي جنون غالنا أي جنون؟
أرفض موتك يامن أحببت، كيف تغيب وأنت الحاضر ما فارقت؟ نبرة صوتك، ضحكاتك، لوعة نظراتٍ من عينيك، شلال الحكمة يتدفق من قلبك فوق الشفتين،ومرارة سخرية تتحدى الموت. كيف يجوز عليك الموت؟)(1)
قدّم صلاح عبدالصبور قصيدته الحديث بتجربة شعرية لامثيل لها. فقد استفاد من ثقافته في المورث الشعر العربي القديم وشعر العصر العباسي،والشعر الغربي المعاصر. واستفاد أكثر من تجربة الشاعر الإنجليزي(ت . س إليوت(1888م – 1965م).
أدخل عبدالصبور في شعره الحكايات الشعبية والأسطورة،واستخدم ألفاظاً للعامّة ولعل قصيدته(شنق زهران) خير مثال.
صدر للشاعر الأعمال الكاملة في مجلّدين عن دار العودة/بيروت الطبعة الأولى1972م
المجلد الأول ضم الأعمال التالية:
القسم الأول:
ديوان الناس في بلادي
ديوان أقول لكم
ديوان أحلام الفارس القديم
ديوان تأملات في زمن جريح
القسم الثاني: المسرحيات الشعرية
مسرحية الأميرة تنتظر
مسرحية مأساة الحلاج
مسرحية مسافر ليل
مسرحية ليلى والمجنون
المجلد الثالث
كتاب(حياتي في الشعر).
مسرحية بعد أن يموت الملك
ديوان شجر الليل.

نص(أحلام الفارس القديم)

لو أننا كنّا كغُصنيْ شجره
الشمسُ أرضعتْ عروقَنا معا
والفجرُ روّانا ندىً معا
ثم اصطبغنا خضرةً مزدهره
حين استطلنا فاعتنقنا أذرُعا
وفي الربيع نكتسي ثيابَنا الملوّنه
وفي الخريف، نخلعُ الثيابَ، نعرى بدَنَا
ونستحمُّ في الشتا، يدفئنا حُنوُّنا!
لو أننا كنا بشطّ البحر موجتينْ
صُفِّيتا من الرمال والمحارْ
تُوّجتا سبيكةً من النهار والزبدْ
أَسلمتا العِنانَ للتيّارْ
يدفعُنا من مهدنا للحْدِنا معا
في مشيةٍ راقصةٍ مدندنه
تشربُنا سحابةٌ رقيقه
تذوب تحت ثغر شمسٍ حلوة رفيقه
ثم نعودُ موجتين توأمينْ
أسلمتا العنان للتيّارْ
في دورة إلى الأبدْ
من البحار للسماءْ
من السماء للبحارْ !
لو أننا كنا بخَيْمتين جارتينْ
من شرفةٍ واحدةٍ مطلعُنا
في غيمةٍ واحدةٍ مضجعُنا
نضيء للعشّاق وحدهم وللمسافرينْ
نحو ديارِ العشقِ والمحبّه
وللحزانى الساهرين الحافظين مَوثقَ
الأحبّه
وحين يأفلُ الزمانُ يا حبيبتي
يدركُنا الأفولْ
وينطفي غرامُنا الطويل بانطفائنا
يبعثنا الإلهُ في مسارب الجِنان دُرّتينْ
بين حصىً كثيرْ
وقد يرانا مَلَكٌ إذ يعبر السبيلْ
فينحني، حين نشدّ عينَهُ إلى صفائنا
يلقطنا، يمسحنا في ريشه، يعجبُه بريقُنا
يرشقنا في المفرق الطهورْ !
لو أننا كنّا جناحيْ نورسٍ رقيقْ
وناعمٍ، لا يبرحُ المضيقْ
مُحلّقٍ على ذؤابات السُّفنْ
يبشّر الملاحَ بالوصولْ
ويوقظ الحنينَ للأحباب والوطنْ
منقاره يقتاتُ بالنسيمْ
ويرتوي من عَرَقِ الغيومْ
وحينما يُجنّ ليلُ البحرِ يطوينا معاً.. معا
ثم ينام فوق قِلْعِ مركبٍ قديمْ
يؤانس البحّارةَ الذين أُرهقوا بغربة الديارْ
ويؤنسون خوفَهُ وحيرتهْ
بالشدوِ والأشعارْ
والنفخ في المزمارْ !
لو أننا
لو أننا
لو أننا، وآهِ من قسوةِ «لو»
يا فتنتي، إذا افتتحنا بالـمُنى كلامَنا
لكنّنا..
وآهِ من قسوتها «لكننا»!
لأنها تقول في حروفها الملفوفةِ المشتبكه
بأننا نُنكرُ ما خلّفتِ الأيامُ في نفوسنا
نودُّ لو نخلعهُ
نودُّ لو ننساه
نودّ لو نُعيده لرحمِ الحياه
لكنني يا فتنتي مُجرِّبٌ قعيدْ
على رصيف عالمٍ يموج بالتخليطِ والقِمامه
كونٍ خلا من الوَسامه
أكسبني التعتيمَ والجهامه
حين سقطتُ فوقه في مطلع الصِّبا
قد كنتُ في ما فات من أيّامْ
يا فتنتي محارباً صلباً، وفارساً هُمامْ
من قبل أن تدوس في فؤاديَ الأقدامْ
من قبل أن تجلدني الشموسُ والصقيعْ
لكي تُذلَّ كبريائيَ الرفيعْ
كنتُ أعيش في ربيع خالدٍ، أيَّ ربيعْ
وكنتُ إنْ بكيتُ هزّني البكاءْ
وكنتُ عندما أحسُّ بالرثاءْ
للبؤساء الضعفاءْ
أودُّ لو أطعمتُهم من قلبيَ الوجيعْ
وكنتُ عندما أرى المحيَّرين الضائعينْ
التائهينَ في الظلامْ
أودُّ لو يُحرقني ضياعُهم، أودُّ لو أُضيءْ
وكنتُ إنْ ضحكتُ صافياً، كأنني غديرْ
يفترُّ عن ظلّ النجومِ وجههُ الوضيءْ
ماذا جرى للفارس الهمامْ؟
انخلع القلبُ، وولَّى هارباً بلا زِمامْ
وانكسرتْ قوادمُ الأحلامْ
يا من يدلُّ خطوتي على طريقِ الدمعةِ البريئه!
يا من يدلُّ خطوتي على طريقِ الضحكةِ البريئه!
لكَ السلامْ
لكَ السلامْ
أُعطيكَ ما أعطتنيَ الدنيا من التجريب والمهاره
لقاءَ يومٍ واحدٍ من البكاره
لا، ليس غيرَ «أنتِ» من يُعيدُني للفارسِ القديمْ
دونَ ثمنْ
دون حسابِ الربحِ والخساره
صافيةً أراكِ يا حبيبتي كأنما كبرتِ خارجَ الزمنْ
وحينما التقينا يا حبيبتي أيقنتُ أننا
مفترقانْ
وأنني سوف أظلُّ واقفاً بلا مكانْ
لو لم يُعدني حبُّكِ الرقيقُ للطهاره
فنعرفُ الحبَّ كغصنيْ شجره
كنجمتين جارتينْ
كموجتين توأمينْ
مثل جناحَيْ نورسٍ رقيقْ
عندئذٍ لا نفترقْ
يضمُّنا معاً طريقْ
يضمّنا معاً طريقْ .

نص يحمل فيه الشاعر عبدالصبور تجربة شعرية عميقة وحزينة انعكست على الذات أو الأنا..ذلك الفارس الذي انكسرت أحلامه وسيفه الذي كان يجاهر به كل أشكال الضيم والظلم. وربما يبرز في القصيدة أزمة المثقف العربي الذي أصابه الخوف والخذلان،والتشظّي والقلق والغربة.
جاءت القصيدة على تفعيلة الرجز(مستفعلن)
أمين الميسري
5رمضان1447ه
22فبراير2026م
هوامش
(1)كتاب بكائيات.. ست دمعات على نفس عربية) تأليف عبدالغفار مكاوي. طبعة مؤسسة هنداوي 2017م ص103و104

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
casibomcasibom girişcasibom resmi girişdeneme bonusu veren sitelerdeneme bonusucasino sitelerideneme bonusu veren sitelerdeneme bonusu veren sitelercasino siteleribahis siteleribonus veren sitelermarsbahismarsbahis girişmarsbahis güncel girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişcasibomcasibom girişmarsbahismarsbahis girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişegebetegebet girişegebetegebet girişegebetegebet girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahiscasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişbetparkbetpark girişbetparkbetpark girişbetparkbetpark girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis giriş