قصة للمساء / بقلم : سعادة أبو عراق

الرفيم الأول
الناموس الثاني

من عليائه يرقب الإله إيل العابرين إلى فلسطين ، يرقبهم واحداً واحداً وهم يحملون قرابينهم نحو معبده في ذروة الجبل عند منبع النهرين ، قرابين يحملونها على رؤوسهم وعلى دوابهم وعلى عرباتهم ، قرابين تمتد مابين البائس والثمين ، طيورا وحيوانات ومأكولات ، ذهبا وجواهر وأحجارا كريمة ، عطورا وملابس وبهارات ، لكن الإله لم يجد فيها تعبيرا عن إحساسهم بعظمته ، وفهما أرقى لمعنى ألوهيتة .
يأتون حجيجا ضارعين ، آملين من الإله إيل أن يأذن لهم بالبقاء مواطنين في فلسطين ، لكنهم كانوا عابرين ، لم يمكثوا أكثر مما وسعتهم خطواتهم العابرة من تلكؤ . فالإله هوالذي يختار ساكني أرضه المقدسة .
من بعيد ، يطل عابر أعياه ما يحمل على رأسه ، إناء مملوء بالدم القاني ، سكبه قومه طازجا من عروقهم التي فصدوها حتى امتلأ الإناء ، وهم يرتلون { أيها الإله إيل ، هذا ماء الحياة ، إنه قربان لا يوهب إلا لإله }
اغتبط الإله إيل وهو يرى هذا القربان الثمين ، ذي الدلالة العظيمة ، والرمز الموحي ، فأي شعراء هؤلاء القوم الذين تساموا فوق المحسوس والمعدود والملموس ، وتناولوا لغة القلب والوجدان ، فحق لهم أن يعبروا قلب الإله إيل قبل أن يعبروا إلى فلسطين .
ها هو رجل آخر ، يجيء حاملا فوق رأسه إناءً مملوءاً بالخمر ، يحاول جهده أن يسبق غيره نحو المذبح ، ليقدم قربانه ، لعله يفوز ، كان اللهاث قد أنهكه ، حينما رأى قربان الدم الرائع ، أدهشته الفكرة ، فأيقن أنه مستثنى لا محالة، فقال متمحكا :
– ماهو قربانك ؟ لعلك تحمل ما أحمل ؟
ولم يشأ أن يجيب عن سؤال سخيف ، يقطع عليه ابتهالاته .
– كنت أظنك تحمل خمرا كما أحمل ؟
تجاهل تمحكاته وراح يرفع إناءه فوق رأسه والعابر يسأله .
_ ألا أعينك ؟
لم يمانع كثيرا ، لكنّ ذا الخمرة أضمر حيلة ، أضمر أن يوقع الإناء عن رأس صاحبه ، كي لا يتركه يمضي بالقربان إلى المعبد ، وهكذا فعل ، حيث أوهى يده من تحت الإناء فانقلب وسال القربان على الأرض ، فامتصه التراب بشراهة ، واكتسى بلونه الأحمر، تفطر قلبه على قربان لم يصل ، راح يفكر بالانتقام ، هب إلى إناء الخمرة فركله ، فانسابت الخمرة في شقوق الأرض ، تصارعا ردحا من الزمن، حتى أنهكهما العراك ، والإله إيل يرمقهما وكأن له في ذلك شأناً.
ذهب ذو الخمرة نحو بساتين الكرمة يعصر من عناقيدها سلافا رائقا ، يعبئه في إنائه بعيدا عن غريمه ، ويمضي به نحو (منبع النهرين) ، وبسفحه على المذبح ، تاركا غريمه حائرا فيما يفعل ، يأكل مهجته القنوط، متعجبا من دهاء ذاك الذي عوّض تلك الخمرة المعتقة بعصير أحمر ، فكيف يسترد من التراب دم قومه الذي لن يعود ؟. وكيف أستطاع هذا الآبق أن يخاتله ويدمر طموحه وطموح من أرسلوه؟
انتظر هذا المسكين طويلا ، فلا يمكنه العبور أو المكوث أو الرجوع إلى قومه ، ليشرح لهم خيبته ، فلا مناص إلا أن يقفز نحو السماء أو يغور في باطن الأرض ،
ذات صباح في آذار ، أفاق فوجد الأرض حمراء كالأرجوان ، لم يجد معنى لزهر الحنون الذي غطى الأرض ، إلا أن الأرض قد لفظت قربانه على هذا النحو أو أعادته إليه . هم بجمع الحنون إلا أن الإله إيل هتف له من معبده :
{ قبلنا قربانك ، وجعلناك كما تشتهي فلسطينيا ، ستبقى هنا وغيرك هم العابرون }

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
casibomcasibom girişcasibom resmi girişdeneme bonusu veren sitelerdeneme bonusucasino sitelerideneme bonusu veren sitelerdeneme bonusu veren sitelercasino siteleribahis siteleribonus veren sitelercasibomcasibom girişcasibom güncel girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahis güncel girişmarsbahismarsbahis girişcasibomcasibom girişmarsbahismarsbahis girişmarsbahismarsbahis girişcasibomcasibom girişmarsbahismarsbahis girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişcasibomcasibom girişklasbahisklasbahis girişklasbahisklasbahis giriş