سيرة فنّان يحاول أن يرى دون أن يخون ما رأى

 

تبارك الياسين

تُعد سيرة ريمون شويتي الصادرة عن دار نلسن عام 2026 تحت عنوان “ما رآه أورفيوس قبل أن يلتفت: صورة ذاتية روائية” في نحو 596 صفحة، نصاً استثنائياً يخرج عن المألوف في أدب السير الذاتية. فمنذ العتبة الأولى وعنوانها المستوحى من أسطورة أورفيوس – الفنان الذي نزل إلى العالم السفلي، ورأى، ثم خضع لإغراء الالتفات ففقد ما يحب يضعنا الكاتب أمام إطار فلسفي وبصري رفيع. وكما أشارت مقدمة الشاعر محمد شمس الصوالحة، فهذه ليست سيرة تقليدية تسرد الأحداث زمنياً، هي لوحة كبيرة وتدوين ونقوش على صخور قديمة ونشيد رجل عبر المدن كما عبر أورفيوس الظل، حيث الخلاص الحقيقي لا يكمن في العودة، انما في ألا يخون المرء ما رآه.

 

البنية السردية للكتاب قائمة على تداخل زمني واعٍ ومتقن؛ إذ يتأرجح السرد بسلاسة بين يوميات مكتوبة في الرياض (معظمها بين عامي 2005 و2006) وبين ذكريات عميقة تمتد من الطفولة في الأشرفية وبسكنتا وحصرون (خلال خمسينيات القرن الماضي)، مروراً بحرب 1958 وحرب 1975 وما تلاها من مآسٍ، وصولاً إلى محطات الاغتراب والعمل والزواج والمعارض الفنية.

هذا التداخل لم يكن عشوائياً، هو انعكاس لآلية عمل الذاكرة؛ فاللحظة الحاضرة المعيشة — كصوت انفجار يُسمع عبر التلفاز، أو ذكرى زواج في ظل حرب تموز 2006، أو الاستعداد لركوب الطائرة — تفتح باباً خلفياً للذاكرة، تعود الأخيرة لتفسر الحاضر وتمنحه معناه الإنساني العميق. والنتيجة هي نصّ يشبه لوحة متعددة أكثر مما يشبه رواية خطية أو مذكرات جافة.

شويتي رسامٌ قبل أن يكون كاتباً، وهذا يظهر بوضوح جلي في قدرته الفائقة على تحويل المشهد إلى لون، حركة، وظل. لغته شعرية بامتياز، تفيض بالحواس رائحة خبز التنور، عبق الياسمين والفل والورد الجوري، صوت فيروز المشقوق خلف الركام، برودة جبين طفل ميت، ولمس الفرشاة على سطح القماش. تأتي الجملة غالباً منساقة وطويلة، ثم تتوقف فجأة عند ومضة بصريّة أو سؤال وجودي عميق. يتجنب الأسلوب المباشرة والخطابة لصالح الإيحاء والتأمل، مانحاً الشخصيات التاريخية والشخصية في حياته (يوسف، جبريل، العم، الأب، ستيلا رفاعي، أناييس نين، يوسف الخال…) حضوراً حياً ونابضاً.

الذاكرة عند شويتي لم تكن مجرد حنين رخيص هي محاولة

مستميتة لإنقاذ ما يُدمَّر: بيروت القديمة، الطفولة، الوجوه النقية، وروح لبنان الأبدي. يتجلى ذلك في أسئلة الطفل يوسف عن الوجه الآخر الذي ينظر الله من خلاله إلى العالم، وفي قصة الطفل جبريل الذي دُفن في حديقة الدير ليعود الكاتب بعد خمسين سنة ويجد قبره مغطى بالحشائش البرية.

الرسم بالحبر الصيني، تنسيق الزهور (فن الإكيبانا، تجربة “وردة الصحراء”)، والمعارض في بيروت والهند ونيويورك، لم تكن مجرد مهن أو سبل عيش، انما كانت درعاً ووطناً مؤقتاً يواجه به الفنان الخسارات والتحولات القاسية، محققاً رمزيته الخالدة بأن أورفيوس أمسك بالفرشاة بدل القيثارة كي لا يفقد من أحبهم مرتين: مرة في الواقع، ومرة في الذاكرة.

يستكشف الكتاب بصراحة موجعة أثقال الفقر، وضغط العمات، وموت الأب، والزواج وسط الخراب. الحرب في النص ليست مجرد خلفية سياسية عابرة، هي طاقة مدمرة تعيد تشكيل الأرواح والخيارات، حيث يبتعد النص عن الشعارات ليوضح كيف تتسلل الحرب ببطء إلى الغرفة والصالة والذكرى الزوجية.

تتفرع أسئلة الكاتب الوجودية متأثرة بـ الكوخ الهندي لبرناردين دي سان بيير، وفكر جبران وميخائيل نعيمة، وصولاً إلى مرشده الروحي في الهند وتأمله العميق في الطبيعة بوصفها المصدر الصافي للحقيقة، مبتعداً عن الصخب والادعاء نحو صوفية هادئة

ينجح شويتي في نقل مشاعره دون ابتذال عاطفي، وتتم بسلاسة مذهلة الانتقالات من تفصيل يومي صغير وبسيط (بذور المشمش، طائرة ورقية مرفوضة، صفعة وداد المعلمة القاسية) إلى سؤال وجودي تظل صور الكتاب محفورة في ذاكرة القارئ؛ كصورة أورفيوس الذي يرفض خيانة ما رآه، أو لوحة غلافه المعبرة إعصار الوقت. كما أن التمهيدات والإهداءات والشكوك الإنسانية الأولى تضع القارئ منذ الصفحة الأولى في جوٍّ من الحميمية والاحترام العميق لتجربة رجل عبر عذابات الحياة بفرشاة لا تلين.

خاتمة

إن كتاب “ما رآه أورفيوس قبل أن يلتفت” سيرة ذاتية لفنان تشكيلي ومصمم بارز، وهي شهادة إنسان أفرط في الحساسية والالتزام بالعمل والوفاء. لقد استطاع ريمون شويتي بقلمه وبريشته أن يحول جراح الاغتراب والذاكرة إلى عمل إبداعي عابر للمكان، مؤكداً أن الفن الحقيقي يولد دائماً من رحم الألم، وأن الإنسان يملك القدرة على أن يصنع من حطام أيامه ربيعاً داخلياً لا يذبل.

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!